- الجارالله: تقاطع الذكاء الاصطناعي مع علوم الجينات تحد علمي بالغ الخطورة
- قطب: بناء منظومة معرفية متكاملة تضمن حوكمة عادلة للتقنيات الحديثة
عبدالكريم العبدالله
انطلقت أعمال المؤتمر الدولي السابع عشر للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية تحت عنوان «البصمة الوراثية وتحرير الجينات في عصر الذكاء الصناعي.. رؤية إسلامية»، وذلك برعاية كريمة من سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد، وبحضور وزير الصحة د.أحمد العوضي، ممثلا عن سموه.
وخلال كلمته الافتتاحية، أكد الوزير العوضي أن اختيار موضوع المؤتمر يعكس إدراكا عميقا من المؤسسات العلمية والفقهية لطبيعة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، موضحا أن الذكاء الاصطناعي بات يتقاطع مع القيم الإنسانية والضوابط الشرعية، ويستوجب وقفة تأملية تجمع بين الرؤية الأخلاقية والمصلحة العلمية.
وأشار إلى أن العلوم الجينية أصبحت من ركائز الطب الحديث، إذ تحمل آمالا واعدة لعلاج الأمراض الوراثية المستعصية، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات دقيقة حول مشروعية التدخل في خلق الإنسان وتعديل صفاته الوراثية، مؤكدا الحاجة إلى نقاشات مؤسسية رصينة تحيط بهذه القضايا من جوانبها الشرعية والعلمية والأخلاقية.
وأوضح العوضي أن تطورات الذكاء الاصطناعي تمكن اليوم من تحليل ملايين الشفرات الوراثية خلال ثوان، والتنبؤ بالاستجابات الدوائية بدقة غير مسبوقة، لكن هذه القفزات التقنية تضع العالم أمام تحديات خطيرة، من بينها التلاعب الجيني لأغراض غير علاجية، وانتهاك الخصوصية الوراثية، والتمييز الجيني، داعيا إلى موقف مؤسسي متزن يجمع بين العلم والفقه والحكمة.
وأشاد العوضي بالدور الرائد الذي تضطلع به المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية منذ تأسيسها عام 1984 بمبادرة من المغفور له الشيخ جابر الأحمد - طيب الله ثراه، مؤكدا أنها شكلت عبر العقود الماضية منبرا متقدما لمواكبة مستجدات الطب من منظور شرعي، وتناولت قضايا دقيقة مثل أطفال الأنابيب، زراعة الأعضاء، البنوك الوراثية، الرحم الصناعي، الذكاء الاصطناعي، والطباعة الحيوية.
وأضاف أن استضافة الكويت لهذا المؤتمر تعكس حرص الدولة وقيادتها الحكيمة على دعم البحث العلمي وتكريس المبادئ الإنسانية وتعزيز الحوار بين الشريعة والمعرفة الحديثة.
من جانبه، ألقى رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ورئيس المؤتمر د.محمد الجارالله، كلمة عبر فيها عن بالغ شكره وامتنانه لسمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد على دعمه الكريم ورعايته السامية لهذا المؤتمر العلمي والشرعي الكبير، مؤكدا أن هذا الدعم يعكس الرؤية المستنيرة للقيادة الكويتية في تعزيز التكامل بين الدين والعلم لمواكبة التحديات الطبية المعاصرة.
وأشار إلى أن المنظمة تحظى كذلك بدعم كريم من صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد ومن سمو رئيس مجلس الوزراء، إيمانا منهم بأهمية دور المنظمة في التفاعل مع قضايا الطب والفقه والإنسان، في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه التحديات الأخلاقية والطبية.
وسجل الجارالله تقديره الخاص للنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف على تسخير دوائر وزارته، لا سيما إدارة الأدلة الجنائية، والإدارة العامة للتحقيقات، وأكاديمية سعد العبدالله للعلوم الأمنية، في إنجاح هذا المؤتمر، كما أشاد بدعم وزير الصحة د.أحمد العوضي، ومساندته الدائمة للمنظمة، ومتابعته لتسخير إمكانات الوزارة لإنجاح هذا الحدث العلمي. كما توجه بالشكر إلى الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، والأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، وجامعة الأزهر، والجامعات والكليات الشرعية والطبية في الكويت، مرحبا كذلك بضيوف المؤتمر الذين تكبدوا مشقة السفر من مختلف دول العالم الإسلامي للمشاركة في هذا الحدث الفكري والعلمي.
وفي كلمته، استعرض الجارالله تاريخ المنظمة، التي تأسست عام 1981 بمبادرة من المغفور له بإذن الله الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح - طيب الله ثراه - لتكون الذراع الطبية والفقهية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، مؤكدا أن المنظمة عقدت أكثر من 50 مؤتمرا وندوة علمية أصبحت مرجعا لعلماء الدين والطب في العالم الإسلامي، حيث تمت مناقشة قضايا دقيقة مثل الاستنساخ، وزراعة الأعضاء، والهندسة الوراثية، وبنوك الحليب، والتلقيح الصناعي، والخلايا الجذعية، والرحم الاصطناعي، وأخلاقيات المهنة الطبية.
وقال إن المؤتمر الحالي لا يأتي فجأة، بل هو استكمال لمسار علمي طويل بدأته المنظمة منذ عام 1987، حين طرحت لأول مرة موضوع البصمة الوراثية في أحد مؤتمراتها، مؤكدة بذلك ريادتها الفكرية والعلمية في هذا المجال. وأوضح الجارالله أن العالم يقف اليوم أمام تحد علمي وأخلاقي بالغ الخطورة، يتمثل في تقاطع الذكاء الاصطناعي مع علوم الجينات، حيث أصبحت التطبيقات الحديثة قادرة على تحليل الشفرات الوراثية بدقة متناهية، والتنبؤ بالأمراض، وتحديد صفات المواليد مسبقا، بل وتصميمهم حسب الطلب!
ودعا إلى صياغة موقف شرعي وعلمي مؤسس، يستند إلى علم رصين، وفقه متزن، وحكمة بصيرة، يشارك فيه الطبيب المؤتمن والفقيه الراسخ والمشرع الواعي، لتوجيه هذه الطفرات العلمية نحو الخير العام، وتجنيبها منزلقات الانفلات أو الاستغلال التجاري أو العنصري.
بدوره، شدد الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي د.قطب مصطفى على أهمية التزام مؤسسات الفتوى والإفتاء والصحة في الدول الأعضاء بالقرارات المجمعية بشأن الجينوم البشري، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، حفاظا على وحدة المرجعية الشرعية والفكرية للأمة.
وأشار إلى أن المؤتمر لا يستمد أهميته فقط من عنوانه العلمي، بل من كونه فضاء جامعا لصياغة رؤية أخلاقية شرعية إنسانية توجه مسار التطور العلمي وتقيه منزلقات الفوضى، داعيا إلى بناء منظومة معرفية متكاملة تعزز التعاون بين المتخصصين، وتضمن حوكمة عادلة للتقنيات الحديثة.