من الآباء والأمهات من لا يعرف غير لغة الضرب في تقويم سلوك أبنائهم، ومنهم من ترك الحبل على الغارب وفتح لأبنائه أوسع الحرية ولم يحل لنفسه أن يلمس بيده أحد أبنائه خوفا عليهم من الكسر، وبين أولئك وهؤلاء فئة قليلة جدا عرفت كيف توازن بين اللين والشدة ووفقت الى منهج وسط في تربية ابنائهم وهم الذين أنتجوا وينتجون قادة المجتمع في كل مجال وفي كل جيل.
ونظرية الوسط في تربية الأبناء قائمة على رفض مبدأ الضرب كأسلوب واحد في تربية الأبناء لما يترتب على ذلك من نشوء صدمات نفسية يخزنها العقل الباطن للطفل وينشأ عنده الخوف وتوقع الخوف وعدم الانطلاق في الكلام او التعبير عن نفسه امام مجموعة من الناس، والخوف الدائم من الفشل والتردد في اتخاذ القرارات، كما تنشأ عنده صفة الغضب، وغالبا ما ينحرف مثل هؤلاء انتقاما لما اصابهم من ضرب مبرح من آبائهم وأمهاتهم دون ان يفهموا الخطأ الذي وقعوا فيه، كما ان هذه النظرية ترفض ايضا مبدأ اعطاء الحرية الكاملة من غير أي ضوابط اخلاقية واجتماعية واعطاء الاطفال كل ما يريدون أو ما يسمى عندنا بـ «الدلع الكامل»، ذلك ان هذا التدلل او التدليع يسبب كثيرا من الصفات السيئة في الطفل كالاتكالية الكاملة على الغير والتمرد، عندما لا نلبي حاجاته وحب السيطرة على ملك الغير والظلم في سبيل تحقيق ما يريد واحتقار الآخرين والغرور والتكبر لآخر هذه الخصال السيئة، وبالتالي فإن منهج الوسط يقف بين هاتين المدرستين فهو يقر قضية الضرب للأبناء لكنه لا يعتمدها كأصل في منهج العقوبة بل يجعلها في آخر قائمة العقوبات، وذلك بعد ان يستنفد جميع ألوان العقوبات كأن يبدأ بالتوبيخ أو إبداء الغضب بالصوت او تقاسيم الوجه او عدم التحدث اليه او حرمانه من النزهة، وفي كل هذه العقوبات يوضح له سبب العقوبة ويتأكد من فهمه للخطأ الذي اقترفه ولابد ان يسبق تلك العقوبة التوضيح تلو التوضيح لمعنى ذلك الخطأ وخطورته وما يترتب عليه من سلبيات.