العالم حاليا هو حرفيا قرية صغيرة تذهب من أطرافه إلى أطرافه في عدة ساعات، وهذا بالضبط تعريف القرية في غابر الزمان، وهي الحيز المكاني الصغير الذي يستطيع أفراده التواصل والوصول إلى بعض في أي وقت يريدون.
بما أننا سكان قرية واحدة واحتمال الذكاء الاصطناعي المستحدث يحولنا إلى سكان «فريج واحد» فإنه علينا التعايش بسلام مع بعض بغض النظر عن اختلافاتنا الثقافية والعقائدية فلا خيار لنا غير ذلك، فقد أصبحنا تقريبا نعيش في شارع واحد.
سبب هذه المقدمة هو الضجة الدائرة حاليا بخصوص شجرة الكريسماس، والتي بالمناسبة لدي قصة جميلة عنها.
على طاري شجرة الكريسماس، في شتاء 1994 بسكن الطلبة الأجانب في جامعة نيويورك ليلة الكريسماس كل الطلبة ذهبوا إلى أهاليهم ومدنهم ليحتفلوا مع أهلهم، بقي عدة طلبة كنت منهم. كانت الساعة 7 مساء، وبينما كنت في طريق العودة من الكافتيريا إلى غرفتي في ليلة ثلجية باردة أوقفتني سيارة فيها عائلة كورية صغيرة يسألون عن معبد أو كنيسة صغيرة في أطراف الحرم الجامعي ليمضوا فيه بعض ساعات عيد الميلاد. أشرت لهم باتجاهه ومضوا إلى سبيلهم، لكن أطلت طفلة صغيرة كأنها وجه ملاك من النافذة الخلفية وقالت «ماري كريسماس».
مبادرة جميلة وإنسانية ردت لي بعض الروح في ليلة الغربة الطويلة الباردة تلك. شجرة الكريسماس هي جزء من ثقافة الغرب وليس لها أي مدلول ديني على الأقل في عصرنا الحاضر.
أما الذي يخاف على دينه ويتأثر من شجرة بلاستيكية فعليه تقوية دينه والتعوذ من إبليس.
العالم كله يبادرنا بالتقارب واحترام شعائرنا، ففي كل سنة يقام إفطار رمضاني في البيت الأبيض مقر حكم أكبر وأقوى دولة مسيحية. وكذلك يقوم الرئيس الروسي بتقديم التهاني والتبريكات في عيد الفطر السعيد للمسلمين من الشعب الروسي.
الانغلاق والانطواء على نفسك لم يعد خيارا في هذا العالم الذي ينكمش كل يوم عن الذي قبله.
احتفظ بثقافتك ومعتقداتك، لكن احترم وقدر ثقافة ومعتقدات الآخرين أو أضعف الإيمان لا تشيطنها.
نقطة أخيرة: ماري كريسماس وعيد ميلاد سعيد لكل أصدقائنا في الإنسانية.
ghunaimalzu3by@