من أساسيات الإسلام لزوم جماعة الناس والتآلف بعضهم ببعض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال».
في البداية، يقول د. جلوي الجميعة: الحمد لله القائل في محكم كتابه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وصلى الله وسلم على نبينا القائل: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد..». أما بعد: فمن المعلوم أن وحدة الصف في المجتمع ركيزة أساسية وصمام امان لمواجهة التحديات والمخاطر الداخلية والخارجية، فهي تعزز التضامن، وتجمع الكلمة وتزيد من القوة الذاتية للأمة، بخلاف الفرقة والتنازع المؤدي الى الضعف والهوان وتشتيت الجهود، قال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
وتابع: نلمس أهمية وحدة الصف في التوجيه النبوي بمؤاخاة المهاجرين والأنصار في اول ايام وصوله الى المدينة بعد الهجرة فأمر الناس جميعا ان يخلعوا كل ما يعبدونه من دون الله، وان يجردوا عبادتهم لله وحده، وان يصفوا عقيدتهم من جميع لوثات الشرك وأرجاس الضلال، وان يأتلفوا بألفة الايمان والا يستعلي بعضهم على بعض اعتدادا بمنصب او زهوا بثروة او افتخارا بنسب، فإن ثبات الأمة وتماسكها يتمثل ويتجسد في مفهوم «الجسد الواحد»، حيث يتكاتف الأفراد في وقت الأزمات، مما يمنع انزلاق المجتمع نحو الفتن والاضطرابات الداخلية فتفشل مخططات التفرقة بالوعي بأهمية الوحدة والصف حتى تنهزم الشائعات والدعوات المضللة التي تهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.
وأضاف: فقد بقي صلى الله عليه وسلم صادعا بالدعوة إلى اندماج المجتمع في العهد المدني مع إذابة الفوارق، وتوحد المشاعر والتعاون على البر والتقوى، والتسابق إلى الدعوة الى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، محذرا من العودة للماضي الموحش المظلم الذي ضاعت فيه الأنفس والأعراض والأموال، وكيف انتقلوا عن ذلك إلى الأخوة الايمانية، التي جمعت الشتات وهذبت الأخلاق من أرجاس الجاهلية.
وكان يحذرهم دوما من العودة الى ما كانوا عليه من التفرق والاختلاف، ويبين لهم عاقبة ذلك من سوء المصير في الدار الآخرة.
وزاد: وكانت آيات الذكر الحكيم بالمرصاد لأي دعوة يثيرها اعداؤهم لأجل تفريق كلمتهم وتشتيت شملهم ليتوصلوا الى دوس حماهم وتفتيت بيضتهم، فكم فضح مؤامرات المتآمرين ودعوات المضللين.
وذلك ان من اهل الكتاب من كانوا يوقدون الفتنة بين المسلمين بإثارة نعرات الجاهلية وحروبها، حتى يعيدوهم إلى سيرتهم الأولى.
وكان صلى الله عليه وسلم ينادي بنبذ كل شعار ينادى به من أجل تحزب فئة ضد أخرى من المؤمنين، ولو كان شعارا إيمانيا أكرم الله به المؤمنين، فكان ينكر على المهاجرين أن ينادوا بشعار الهجرة إن كان تناديهم للتحزب ضد الأنصار، وكذلك ينكر على الأنصار أن يتنادوا بشعار النصرة إن كان للتحزب ضد المهاجرين، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: كنا في غزاة - قال سفيان: مرة في جيش - فكسع رجل من المهاجرين، رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجرون: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية» قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: «دعوها فإنها منتنة».
ولا يخفى على عاقل ما يستخدمه أعداء الأمة في وسائل التواصل من بث للشحناء والبغضاء وإثارة للنعرات تحت أسماء مستعارة أو أقلام مستأجرة تدعي انها تمثل دولا معينة، تقف خلفها مغرضة لدول تكن العداء للإسلام والمسلمين، فالحكمة كل الحكمة في ترك مثل هذه الحسابات وحظرها والإبلاغ عنها وعدم نقل أقوالها درءا للفتنة، والدعاء بأن يرد الله كيد الكائدين في نحورهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وحدة الصف أوقات الأزمات
من جانبه، أكد د.صلاح المهيني أن وحدة الصف فريضة شرعية في زمن الاضطراب، في أوقات الرخاء، قد تتسع مساحات الخلاف، ويتسامح مع التباين، وتقبل تعددية الاجتهادات، باعتبارها من طبيعة الحياة البشرية.
غير أن هذه المساحات تضيق حين تتعرض الأوطان للأخطار، وحين تتبدل الظروف من السعة الى الشدة، ومن الاستقرار الى الاضطراب.
وفي مثل هذه الأحوال، لا تترك الشريعة الناس لأهوائهم، ولا تفتح أبواب النزاع، بل تؤسس لمبدأ جامع يضبط السلوك ويحصّن المجتمع، وهو ان وحدة الصف ليست خيارا، بل فريضة شرعية تمليها النصوص وتؤكدها مقاصد الشريعة.
لقد جاءت النصوص الشرعية واضحة في تقرير هذا الأصل، يقول الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا)، ويقول سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
وهذه النصوص لا تفهم على أنها مجرد توجيهات أخلاقية عامة، بل هي قواعد حاكمة في بناء المجتمعات، إذ تربط بين التنازع والفشل، وبين التفرق وضياع القوة.
ومن ثم، فإن مواجهة الأخطار مع وجود التنازع الداخلي أمر يتعارض مع سنن الله في الأمم.
وأشار الى أنه من القواعد المقررة في الشريعة أن الأحكام تتغير بتغير الأحوال، وأن ما يتسامح فيه في أوقات السعة قد لا يقبل في أوقات الشدة.
وفي هذا السياق، قرر العلماء قاعدة عظيمة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».
وعليه، فإن الكلمة وإن كانت في أصلها حقا - إذا أدت إلى تمزيق الصف أو إضعاف الجبهة الداخلية، فإن الإمساك عنها أولى، بل قد يكون واجبا، لأن الشريعة تنظر إلى مآلات الأفعال لا إلى مجرد صورها.
وفي واقعنا المعاصر، تتجدد هذه الصور بوسائل مختلفة، مثل:
نشر الإحباط، وتضخيم الأخطاء، وبث الشكوك، والتشكيك في النيات، وهي ممارسات تضعف التماسك الداخلي وتؤثر في استقرار المجتمع.
ولا شك أن الشريعة حثت على النصيحة، وجعلتها من أصول الدين، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة».
وبين أن النصيحة في الشريعة منضبطة بضوابط، من أهمها مراعاة الزمان والمآل.
فليست كل كلمة حق تقال في كل ظرف، خاصة إذا كانت تؤدي إلى إثارة الفتنة أو إضعاف الصف في أوقات الأزمات.
ومن هنا، فإن معيار الكلمة ينبغي أن يكون: هل تسهم في البناء وتعزيز التماسك، أم تؤدي إلى الإضعاف والتفريق؟
لقد جاءت الشريعة لحفظ الضروريات الكبرى، ومن أهمها حفظ الجماعة واستقرار المجتمع.
وقد قرر العلماء في هذا الباب قاعدة: «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام».
وبناء عليه، لا يجوز تقديم المصالح الفردية أو المواقف الشخصية على مصلحة المجتمع وأمنه واستقراره خاصة في الظروف الاستثنائية.
في أوقات الأزمات، يكثر الكلام، وتزداد حدة الاتهامات، وقد تغيب الضوابط الشرعية في بعض الطروحات.
وأكد أن الأصل الذي قررته الشريعة هو حفظ الأعراض وسلامة الصدور، كما قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن).
ومن ثم، فإن إطلاق الاتهامات أو التخوين بلا بينة لا يخدم المصلحة العامة، بل يؤدي إلى إضعاف الثقة داخل المجتمع، وهو ما تحذر منه الشريعة.
الناظر في السيرة النبوية يدرك أن وحدة الصف كانت من أهم أسباب الثبات والنصر، ففي غزوة الخندق بلغ الخوف أشد مبلغه، كما وصفه القرآن: (وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر)، ومع ذلك بقي الصف متماسكا.
وفي بيعة الرضوان تجلت صورة من اعظم صور الوحدة والتماسك، رغم قلة العدد، فكانت سببا في تحقيق الهيبة والاستقرار.
وهذا يؤكد أن التماسك الداخلي عنصر أساسي في مواجهة التحديات.
إن وحدة الصف ليست مسؤولية القيادات وحدها، بل هي مسؤولية جماعية يشترك فيها كل فرد، من خلال كلمته وموقفه وسلوكه.
فالكلمة قد تكون سببا في البناء أو الهدم، وفي أوقات الأزمات تتضاعف مسؤوليتها وأثرها.
مسؤولية شرعية
من جانبه، يقول د.خالد الخالدي: تمر المجتمعات في تاريخها بمنعطفات حاسمة واختبارات قاسية تمحص تماسكها، وتكشف عن مدى صلابة بنيانها الداخلي. وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد اليوم، تبرز «وحدة الكلمة» ليس كخيار وطني فحسب، بل كضرورة شرعية قصوى وواجب ديني يأثم المتهاون فيه، فالشرع الحنيف في جوهره جاء لإرساء قيم التلاحم ونبذ الفرقة، معتبرا ان قوة المجتمع تكمن في ائتلاف قلوب ابنائه.
لقد بين الله تبارك وتعالى في كتابه قاعدة صريحة ومحكمة في قوله عزّ وجلّ: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، وهذا الأمر الرباني يمثل طريق النجاة عند اشتداد الأزمات، اذ ان التمسك بحبل الله سبحانه والالتفاف حول الثوابت هو الدرع الحصين الذي يمنع تآكل الجبهة الداخلية. وحين يحذرنا الخالق جل وعلا من التنازع في قوله: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) فإنه سبحانه يبين لنا الداء والدواء بيانا شافيا، فالاختلاف في اوقات الشدائد هو بوابة الفشل وضياع الهيبة، وتبدد القوة والمنعة التي تحمي الديار وتصون أمن البلاد.
وأكد ان المسؤولية الشرعية في هذه الأوقات تتجاوز المشاعر المجردة الى سلوكيات إيمانية منضبطة، لعل اهمها كف الألسن عن الأراجيف والشائعات، والحرص على تماسك الجسد الواحد، فالأمن المجتمعي يتحقق حين يغدو كل فرد حصنا لبلده بوعيه وانتمائه، مدركا ان الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية هو صيانة لكيان الوطن وعز أبنائه. ولنا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة حين وصف المؤمنين بالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا، حيث تتآلف القلوب وتتحد الغايات، ليبقى المجتمع بكل اطيافه سدا منيعا في وجه كل طارئ. وفي فقه النوازل، يعتبر الالتفاف حول ولاة الأمر والصدور عن رأيهم وحكمتهم من اصول هذا الدين، كونه يقطع الطريق على كل من يستهدف امننا واستقرارنا. ان الواجب الشرعي يحتم علينا اليوم تكريس كل الجهود لبث الطمأنينة، وتعزيز اليقين بأن حسن التوكل على الله عزّ وجلّ مع الاخذ بكلاسباب الحيطة والحذر، هو الوقود الحقيقي للصمود في وجه التحديات.
ان الشرع والواقع والتاريخ، كلها شواهد تنطق بحقيقة واحدة: ان قوة الأوطان في وحدة ابنائها، لذا فإن الحفاظ على تماسكنا اليوم هو من اعظم القربات التي يتقرب بها المسلم الى ربه، لتبقى هذه الارض عصية على الانكسار، محفوفة برعاية الله تعالى، ثم بوعي اهلها الذين ادركوا ان وحدة الكلمة هي حبل النجاة في طوفان الأزمات.