مفرح الشمري
إدراج الفيلم الكويتي الشهير «بس يا بحر» ضمن الأرشيف الوطني للأفلام التابع لهيئة الأفلام السعودية ليس مجرد خطوة توثيقية عابرة أو إجراء أرشيفي تقليدي، بل يمثل مبادرة ثقافية تحمل أبعادا تتجاوز حدود الفيلم نفسه لتصل إلى حماية جزء مهم من الذاكرة البصرية للكويت والخليج العربي. فحين تحتفي مؤسسة ثقافية معنية بحفظ التراث السينمائي بعمل يعد من أبرز المنجزات الفنية الخليجية، فإن الأمر يرتبط بصون التاريخ الإنساني والاجتماعي الذي وثقته الشاشة، وحماية ذاكرة أجيال كاملة من الاندثار.
قيمة فنية
ويعكس اختيار الفيلم ضمن مشاريع الأرشفة والحفظ التي تنفذها هيئة الأفلام السعودية اهتماما متناميا بحماية الأعمال السينمائية العربية التي تمتلك قيمة فنية وتاريخية استثنائية، ويأتي «بس يا بحر» في مقدمة هذه الأعمال لما يمثله من محطة مفصلية في تاريخ السينما الخليجية والعربية، إذ استطاع منذ إنتاجه أن يرسخ مكانته بوصفه عملا مؤسسا فتح آفاقا جديدة أمام التجارب السينمائية في المنطقة.
وعلى الرغم من مرور أكثر من 5 عقود على إنتاجه، لا يزال الفيلم يحتفظ بقيمته الفنية والإنسانية، ويواصل حضوره في الذاكرة الثقافية بوصفه شاهدا بصريا على مرحلة مهمة من تاريخ الكويت قبل اكتشاف النفط والتحولات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها البلاد لاحقا. فقد نجح المخرج «المكافح» الراحل خالد الصديق في تقديم عمل مختلف عن السائد في تلك الفترة، مستندا إلى لغة سينمائية واقعية استطاعت أن تنقل تفاصيل الحياة اليومية للغواصين والبحارة وعائلاتهم، وأن تعكس حجم المعاناة التي ارتبطت بمهنة الغوص بحثا عن اللؤلؤ.
القلق والأمل
ويستعيد الفيلم صورة مجتمع كامل كانت حياته مرتبطة بالبحر، حيث كانت رحلات الغوص تمثل مصدر الرزق الأساسي لآلاف الأسر الكويتية، ومن خلال شخصياته وأحداثه، نقل الفيلم مشاعر الانتظار والقلق والأمل التي كانت تعيشها العائلات في مواسم الغوص الطويلة، كما جسد التحديات القاسية التي واجهها البحارة في رحلات محفوفة بالمخاطر من أجل تأمين لقمة العيش.
ولم تقتصر أهمية «بس يا بحر» على ما قدمه من مضمون اجتماعي وإنساني، بل امتدت إلى دوره في تأسيس هوية سينمائية خليجية استطاعت أن تفرض حضورها على الساحة العربية والدولية، ففي وقت كانت فيه صناعة السينما العربية متمركزة في عدد محدود من الدول، جاء الفيلم ليقدم تجربة مختلفة تنطلق من البيئة الخليجية وقضاياها المحلية، لكنه في الوقت نفسه نجح في مخاطبة الإنسان أينما كان، وهو ما منح العمل بعدا عالميا وجعله محط اهتمام النقاد والمهتمين بالفن السابع.
من هنا، تبرز أهمية قرار حفظ الفيلم ضمن الأرشيف الوطني للأفلام، لأن الأفلام الكبرى لا تمثل مجرد أعمال فنية، بل تعد وثائق تاريخية واجتماعية تسجل شكل الحياة وأنماط المعيشة والعادات والتقاليد والتحولات التي مرت بها المجتمعات عبر الزمن.
حفظ التراث البصري
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل التحديات التي تواجه حفظ التراث البصري في العصر الحديث، حيث تتعرض الكثير من المواد السينمائية القديمة للتلف أو الفقدان بسبب عوامل الزمن أو ضعف الإمكانات التقنية الخاصة بالصيانة والحفظ، ولذلك أصبحت الأرشفة الحديثة ضرورة ثقافية لحماية الأعمال الإبداعية وضمان استمراريتها وإتاحتها للأجيال المقبلة.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها هذه الخطوة هي أن الأعمال الفنية العظيمة لا ترتبط بزمن إنتاجها فقط، بل تستمر قيمتها كلما ارتبطت بتاريخ الإنسان ووجدانه، وبعد أكثر من نصف قرن على إنتاجه، ما زال «بس يا بحر» قادرا على استحضار حكايات الآباء والأجداد، وإعادة تقديم صورة حية لمرحلة شكلت جزءا أصيلا من الهوية الكويتية والخليجية.
يذكر ان قصة الفيلم كتبها الراحل الإماراتي عبدالرحمن الصالح، وانتاج واخراج الراحل خالد الصديق، ومن تمثيل: سعد الفرج ومحمد المنصور والراحلة حياة الفهد والراحل أحمد الصالح وآخرون، وكان اول عرض له بتاريخ 27 مارس 1971 في سينما الاندلس.