مفرح الشمري
في وقت تتسارع فيه الأعمال الفنية نحو الترفيه والاستهلاك السريع، يواصل الكاتب والمخرج والمنتج رمضان خسروه مشروعه الوطني والثقافي الهادف إلى توثيق صفحات مضيئة من تاريخ الكويت الحديث، مستحضرا عبر السينما قصصا حقيقية صنعتها تضحيات أبناء الوطن، وخصوصاً خلال فترة الغزو العراقي الغاشم، التي ما زالت تمثل محطة مفصلية في الذاكرة الوطنية الكويتية.
ويعد خسروه من أبرز الأسماء التي سخرت الفن لخدمة التاريخ الوطني، حيث نجح خلال السنوات الماضية في تقديم أعمال سينمائية حملت بعدا إنسانيا ووطنيا عميقا، كان أبرزها فيلم «حبيب الأرض» الذي تناول سيرة الشاعر الشهيد فايق عبدالجليل، مستعرضا مواقفه الوطنية وشجاعته وإصراره على البقاء في وطنه رغم المخاطر، حتى ارتقى شهيداً وبقي اسمه رمزاً للوفاء والانتماء.
كما قدم فيلم «سرب الحمام» الذي أعاد إلى الواجهة ملحمة أبطال بيت القرين، ذلك الموقع الذي تحول إلى أيقونة للمقاومة الكويتية خلال الغزو، واستطاع الفيلم أن ينقل للأجيال الجديدة صورة حية عن البطولة والتضحية والصمود، بعيدا عن السرد التقليدي، عبر معالجة سينمائية مزجت بين الدقة التاريخية والبعد الإنساني.
واليوم يواصل خسروه هذا المسار الوطني من خلال الاستعداد لتصوير فيلم جديد يتناول قصة الشهيدة وفاء العامر، في عمل يتولى كتابته وإخراجه وإنتاجه عبر شركة «كويت فيلم»، ليضيف صفحة جديدة إلى مشروع فني متكامل يهدف إلى حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق قصص الكويتيين الذين قدموا أرواحهم دفاعا عن وطنهم.
ولا تقتصر أهمية هذا المشروع من كونه عملا سينمائيا فحسب، بل من قدرته على تحويل الأحداث التاريخية إلى مادة بصرية مؤثرة، قادرة على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع، خصوصا الشباب الذين لم يعاصروا تلك المرحلة، فالسينما هنا لا تؤدي دورا ترفيهيا فقط، بل تصبح وسيلة للتوثيق والتوعية وترسيخ قيم الانتماء والولاء للوطن.
وتحمل قصة الشهيدة وفاء العامر أبعادا إنسانية ووطنية تستحق أن تروى للأجيال، لما تمثله من نموذج للمرأة الكويتية التي وقفت بشجاعة في مواجهة الاحتلال، وأسهمت مع أبناء وطنها في كتابة صفحات مشرقة من تاريخ الكويت.
ومن المنتظر أن يسلط الفيلم الضوء على هذه التجربة الملهمة، مستعيداً تفاصيلها بروح تحترم الحقيقة التاريخية وتمنحها بعدا فنيا مؤثرا.
ويؤكد استمرار رمضان خسروه في هذا النهج أن الفن الوطني الجاد ما زال قادرا على الحضور والتأثير، عندما يستند إلى رؤية واضحة ورسالة تتجاوز حدود الشاشة، فمشروعه لا يوثق أسماء وشخصيات فحسب، بل يحفظ قيماً ومواقف شكلت وجدان المجتمع الكويتي، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على قصص البطولة والتضحية التي صنعت حاضر الوطن.
وبين «حبيب الأرض» و«سرب الحمام» والفيلم المرتقب عن الشهيدة وفاء العامر، تتشكل ملامح مشروع سينمائي وطني متكامل، يضع الإنسان الكويتي في قلب الحكاية، ويؤكد أن ذاكرة الأوطان لا تحفظ في الكتب وحدها، بل أيضاً في الأعمال الفنية الصادقة القادرة على إعادة إحياء التاريخ، وتخليد أسماء من قدموا أرواحهم لتبقى الكويت حرة وآمنة وعزيزة.