مفرح الشمري
لم يكن تأسيس مسرح الشباب في الكويت عام 1981 مجرد إضافة فرقة مسرحية جديدة إلى الساحة الفنية، بل جاء استجابة لرؤية آمنت بأن مستقبل المسرح يبدأ باكتشاف المواهب الشابة ورعايتها، ومنذ انطلاقته، تحول هذا المشروع إلى أحد أبرز الروافد التي أسهمت في رفد الحركة المسرحية الكويتية بأجيال من الممثلين والمخرجين والمؤلفين والفنيين، الذين واصلوا مسيرتهم في مختلف مجالات العمل المسرحي.
وتعود البدايات إلى مبادرة تبناها عدد من المسرحيين الشباب، يتقدمهم المخرج عبدالله عبدالرسول، لإطلاق فرقة تعنى باحتضان الطاقات الواعدة، لتجد الفكرة الدعم من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل آنذاك، لتقدم في عام 1982 أول أعمالها المسرحية «قاضي المحكمة» التي بدأت بعدها رحلة تجاوزت تقديم العروض إلى بناء الإنسان المسرحي، عبر مشروع يقوم على التدريب والتأهيل وصناعة الكوادر.
ومنذ سنواته الأولى، رسخ مسرح الشباب ثقافة الورش المسرحية بوصفها الأساس في إعداد الفنان، وكان لعبدالله عبدالرسول دور محوري في ترسيخ هذا النهج، انطلاقا من قناعته بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الفنان الحقيقي تصنعه المعرفة والانضباط والممارسة المستمرة. وقد أثمرت هذه الرؤية تخريج أجيال من الفنانين الذين أصبحوا لاحقا من أبرز الأسماء في المسرح والتلفزيون، إلى جانب مخرجين ومؤلفين وسينوغرافيين وفنيي إضاءة وصوت وإداريين مسرحيين، ليتحول مسرح الشباب إلى مدرسة متكاملة في إعداد الكوادر الفنية التي تقود اليوم جانبا كبيرا من المشهد المسرحي الكويتي.
ومع اتساع هذه التجربة وتنامي أثرها، جاء إطلاق «ملتقى أيام المسرح للشباب» عام 2003 ليشكل امتدادا طبيعيا لرسالة مسرح الشباب، إذ وفر منصة تحتضن العروض المسرحية الشبابية، وتقدم مخرجات الورش التدريبية، وتمنح المواهب الجديدة فرصة الاحتكاك بالتجارب المسرحية والخبرات الكويتية والعربية، قبل أن يتطور لاحقا إلى مهرجان أيام المسرح للشباب، الذي أصبح من أبرز المحطات السنوية في أجندة المسرح الكويتي.
ولعب المخرج عبدالله عبدالرسول دورا محوريا في ترسيخ هوية المهرجان، حيث تولى رئاسته منذ انطلاقته حتى الدورة الثانية عشرة، واضعا رؤية تقوم على أن يكون المهرجان مدرسة موازية للعمل المسرحي، لا تقتصر على تقديم العروض، بل تجمع بين التدريب والتأهيل وصناعة الكوادر. وخلال تلك السنوات، أسهم في ترسيخ فلسفة جعلت من المهرجان مساحة حقيقية لاكتشاف المواهب، وتطوير أدواتها، وتهيئتها للانطلاق نحو الاحتراف.
ومع انتقال رئاسة المهرجان إلى د. محمد المزعل، واصل المشروع مسيرته التطويرية برؤية جديدة حافظت على الإرث الذي أسس طوال السنوات الماضية، وأضافت إليه بعدا تنظيميا وأكاديميا أكثر اتساعا، وشهدت دوراته نقلة واضحة على مستوى التنظيم، وتطوير الورش، واستقطاب الخبرات، وتوسيع قاعدة المشاركة، وهو ما انعكس على جودة العروض، والحضور الشبابي، والمستوى الفني للمهرجان.
ولم تقتصر هذه المرحلة على الجانب التنظيمي، بل أسهمت في إعادة الزخم إلى المهرجان، وتعزيز حضوره في الوسط المسرحي، من خلال توفير بيئة إبداعية تجمع بين التعلم والمنافسة، وتفتح المجال أمام الشباب لتقديم تجاربهم وسط متابعة من المسرحيين والنقاد، بما يرسخ مكانته بوصفه منصة حقيقية لصناعة الفنان.
وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، أثبت مسرح الشباب أن الاستثمار في الإنسان هو الضمان الحقيقي لاستمرار الحركة المسرحية، فالمشروع لم يكن مجرد فرقة أو مهرجان سنوي، بل أصبح مؤسسة وطنية خرجت عشرات الأسماء التي صنعت حضورها على خشبات المسرح وفي الدراما والإدارة الثقافية، وأسهمت في ترسيخ مكانة الكويت المسرحية، وهو أمر يحسب للهيئة العامة للشباب لاستمرارها في دعم هذا المسرح والحرص على إقامة دوراته لدعم المواهب الكويتية في التمثيل والإخراج والديكور، ونتمنى الاستمرار في دعم المهرجان لأنه نموذج وطني ناجح في اكتشاف المواهب وصناعة الأجيال، وهو ما يجعل المحافظة على هذا المشروع واستمرار تطويره مسؤولية ثقافية ووطنية، باعتباره من أهم الروافد التي تجدد دماء الحركة المسرحية الكويتية، وتؤسس لمستقبلها.