تعد الروابط التي تجمع الكويت وقطر نموذجا للعلاقات الأخوية الراسخة والصلات الوثيقة التي تسود بين الدول الشقيقة نظرا لأواصر كثيرة تجمعهما، وقد كان للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - رحمه الله- دور كبير في ترسيخ هذه العلاقات وتطويرها.
ولطالما عبر- رحمه الله - عن متانة العلاقات الكويتية - القطرية في مناسبات عديدة، ويبقى تصريحه الأشهر عام 2000 بتأكيده أن ما يمس الكويت يمس قطر، ودعوته الدائمة لاحترام سيادة دولة الكويت وأمنها وسلامتها الإقليمية.
وقد سبق للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني زيارة الكويت عدة مرات، منها زياراته اثناء انعقاد قمم مجلس التعاون الخليجي في الكويت، ومنها زياراته الرسمية، ففي مايو 2005 زار - رحمه الله - الكويت، والتقى أميرها الراحل الشيخ صباح الأحمد وبحثا العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين.
وفي فبراير 2011 شارك الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - رحمه الله - في الاحتفالات الرسمية للكويت بأعيادها الوطنية بمناسبة مرور 50 عاما على الاستقلال و20 عاما على التحرير على رأس وفد رفيع المستوى.
وأبرز نموذج لمتانة العلاقات بين البلدين كان موقف قطر إبان الغزو العراقي للكويت، وحينها كان الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وليا للعهد ووزيرا للدفاع، فسجلت قطر بقيادتها الحكيمة موقف مشرف تجاه قضية الكويت العادلة ضد العدوان العراقي من خلال إدانتها مع دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماع طارئ ذلك العدوان الغاشم ومطالبة العراق بالانسحاب من الكويت والالتزام بالشرعية الدولية والقرارات الدولية ذات الصلة.
فالكويت تستذكر دائما الدور الكبير والبارز للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - رحمه الله - أثناء الغزو العراقي الغاشم لبلادنا عبر متابعته المستمرة لما كان يدور من قبل القوات القطرية خلال معركة الخفجي، حيث شاركت القوات القطرية في حرب تحرير الكويت وسطرت ملحمة بطولية بجانب القوات السعودية أثناء معركة الخفجي التي كانت أول مواجهة برية بين العراق وقوات التحالف الدولي والتي استمرت من 29 يناير حتى 1 فبراير من عام 1991، وكان - رحمه الله - يتفقد القوات بصورة مستمرة.
ولم تكتف قطر بتلك المواقف العسكرية والسياسية البارزة، بل استقبلت إبان فترة الاحتلال نحو 9300 مواطن كويتي، فيما أمر الشيخ خليفة بن حمد - رحمه الله - بتشكيل اللجنة القطرية العليا لشؤون الأشقاء الكويتيين برئاسة الشيخ محمد بن خليفة التي تولت توفير المسكن المناسب للأسر الكويتية الموجودة في قطر وتقديم الرعاية الصحية لهم والتحاق أبنائهم بمدارس قطر ومعاهدها وكلياتها.
وعقب تحرير الكويت مباشرة قدمت قطر الدعم اللوجستي للكويت من خلال إرسال فنيين وأجهزة لإصلاح مطار الكويت وتقديم مساعدات متنوعة للقطاع الصحي.
فالتاريخ الكويتي - القطري حافل بالشواهد على عمق التعاون خلال جميع العهود، فبعد استقلال قطر عن بريطانيا في سبتمبر 1971 سارعت الكويت التي كانت أول دولة عربية وثالث دولة في العالم تعترف بدولة قطر إلى إقامة علاقات ديبلوماسية معها على مستوى السفراء في العام نفسه.
ففي عهد سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - رحمه الله - تواصلت عملية تطوير العلاقات بين البلدين حيث أسست عام 2002 اللجنة العليا القطرية - الكويتية المشتركة من أجل تعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية، إضافة إلى التعاون في المجال العسكري والأمني والتعليم والثقافة.
وعلى مستوى التعاون الاقتصادي تم في عهد سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني- رحمه الله - 1999 إشهار شركة تمويل كويتية - قطرية مشتركة لتقديم خدمات تمويلية للمستهلك القطري وفق أحكام الشريعة الإسلامية برأس مال قدره 50 مليون ريال قطري تمتلك الكويت 49% من رأسمالها في حين تمتلك قطر 51% منها.
وعلى الصعيد الأمني، يرتبط البلدان ببروتوكول تعاون عسكري بهدف تبادل المعلومات واكتساب مزيد من الخبرات فيما ينفذان مع بقية دول الخليج العربي ضمن (درع الجزيرة) تدريبات ومناورات دورية لكل القطاعات البرية البحرية والجوية لرفع جاهزية القوات وحفاظا على الأمن الجماعي لمنظومة مجلس التعاون الخليجي.
باني نهضة قطر الحديثة
برحيل الأمير الوالد لدولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله تعالى، الذي أعلن الديوان الأميري القطري وفاته صباح أمس الأحد عن عمر ناهز 74 عاما، تفقد قطر أحد قادتها التاريخيين، وباني نهضتها الحديثة، الذي تبوأت في عهده مقاما عاليا عربيا ودوليا، وانطلقت في عهده نهضة اقتصادية وثقافية واسعة، وارتبط اسمه بأكبر تحول في تاريخها الحديث، بعدما قاد مشروعا نقل الدولة إلى مصاف الفاعلين إقليميا ودوليا، فخلال حكمه صدر الدستور الدائم للبلاد، ووضعت «رؤية قطر الوطنية 2030» الساعية لتعزيز الارتقاء إلى الاقتصاد المعرفي، وتم تحويل قطر إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وعلى تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلا بعد جيل.
ولد الشيخ حمد بن خليفة في مدينة الدوحة عام 1952 وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس قطر ثم التحق بكلية (ساندهيرست) العسكرية الملكية بالمملكة المتحدة وتخرج فيها في يوليو 1971.
وبعد تخرجه انضم إلى القوات المسلحة القطرية وعين قائدا للكتيبة المتحركة الأولى التي أصبحت تعرف بكتيبة حمد المتحركة ثم رقي بعد مدة إلى رتبة لواء ثم عين قائدا عاما للقوات المسلحة القطرية وبذلك كان أول قطري يشغل هذا المنصب.
وأدى الفقيد دورا رئيسيا في تطوير القوات المسلحة القطرية وزيادة عدد أفرادها واستحداث وحدات جديدة وتجهيزها بأحدث الأسلحة، إضافة إلى الاهتمام بتدريب الضباط والأفراد على أحدث الأساليب العسكرية المتطورة.
واستثمر من خلال منصبه علومه العسكرية في تطوير قدرات القوات المسلحة وكفاءتها فاستحدث سلاح البحرية وسلاح الجو الأميري وأسس وحدة الصاعقة والهندسة والشرطة العسكرية ووحدة المغاوير وسلاح الحدود ووحدة دفاع القيادة.
وفي 31 مايو 1977 بويع الشيخ حمد بن خليفة وليا للعهد وعين وزيرا للدفاع ورئيسا للمجلس الأعلى للتخطيط الذي يعهد له تطوير البلاد وعصرنتها فمارس مهام الحكم التنفيذي مبكرا.
ومنذ تولي الفقيد سدة الحكم في 27 يونيو عام 1995 دشنت دولة قطر مرحلة جديدة من النهضة الشاملة والتحديث المؤسسي، حيث شهدت البلاد في عهده تطورات نوعية ومحورية شملت شتى القطاعات السياسية والاقتصادية والتنموية محليا وإقليميا وعالميا.
فعلى الصعيد الخارجي أدت السياسة القطرية أدوارا مهمة بالديبلوماسية الفاعلة مع كل الأطراف والدول مع الحرص على مد جسور التفاهم والتعاون مع جميع الدول في المحيطين الإقليمي والدولي.
وشهدت قطر في عهده تطورات مهمة على الصعيد المحلي فيما يتعلق بوضع الخطط الاستراتيجية والبرامج التنموية والاصلاحية، وأخذت تلك الجهود أبعادا ومسارات متنوعة انطلقت فيها نهضة عامة شملت جميع المجالات.
ففي عهده شهد قطاع الاقتصاد والطاقة تطورا كبيرا أسهم في جعل البلاد أكبر مصدر للغاز المسال في العالم وإنجاز عدد من المشروعات المهمة في مجال الطاقة، إضافة إلى الانفتاح الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات العالمية.
كما أصبحت بلاده قبلة للمؤتمرات السياسية والاقتصادية والثقافية والصحية والعلمية وتبوأت مكانة مرموقة إقليميا ودوليا في هذا المجال فضلا عن استقطاب عدد من كبرى الجامعات العالمية.
وحرص الفقيد الراحل على دعم قطاع الشباب والرياضة إيمانا منه بأهمية الدور الذي يسهم به هذا القطاع الحيوي في بناء وتنمية المجتمع فاستضافت بلاده عددا من أهم البطولات الإقليمية والعالمية، كان من أهمها الإعلان في ديسمبر عام 2010 أن قطر ستكون أول دولة عربية وإسلامية تفوز باستضافة كأس العالم لكرة القدم.
وشهد عهده حركة تغيير واسعة في عدد من المجالات، فأعطى النساء حق التصويت والترشح في الانتخابات المحلية والعمل وقيادة السيارات، علاوة على تعزيز حرية الصحافة وزيادة استثمار حقول الغاز لتسريع مسيرة التنمية الشاملة.
وخلال حكمه سعى الفقيد إلى تعزيز انتقال البلاد إلى الاقتصاد المعرفي وتحويل قطر إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وعلى تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلا بعد آخر.
وزار الفقيد العديد من الدول العربية والأجنبية لتعزيز العلاقات الثنائية وعقد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم معها فيما حصل على العديد من الأوسمة من دول عربية وأجنبية تقديرا له على جهوده في تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون مع تلك الدول.
ففي عام 1995 حصل على قلادة الحسين بن علي من الأردن، ووسام عمان من الطبقة الأولى من سلطنة عمان، فيما حصل في 1997 على وسام السابع من نوفمبر من تونس، كما حصل في 1998 على وسام جوقة الشرف من فرنسا، ووسام الأسد من السنغال.
وفي عام 1999 حصل الفقيد على نيشان باكستان، وعلى وشاح الاستحقاق الألماني من ألمانيا، ووسام أوردينول ناشيونال ستو من رومانيا، فيما حصل في عام 2000 على وسام الأرز الوطني من رتبة الوشاح الأكبر من لبنان، ووسام كافاليير دي جران كروس من إيطاليا، ووسام الجمهورية من اليمن.
وفي 25 يونيو عام 2013 أعلن الشيخ حمد بن خليفة في خطاب موجه للشعب القطري تسليم مقاليد الحكم لولي عهده الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لتبدأ قطر مرحلة جديدة من مسيرة البناء والتنمية والتطوير.
حلم تنظيم كأس العالم 2022 تحقق على يد «الفقيد الوالد»
ناصر العنزي
رحم الله أمير دولة قطر السابق الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، باني النهضة الرياضية القطرية في عصرها الحديث، حيث تجلت في مشهد لا يغيب عن الاذهان، عندما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في 2 ديسمبر 2010 عن فوز دولة قطر بحق تنظيم كأس العالم 2022 بحضوره، رحمه الله، الذي قام محتفلا في لقطة تناقلتها وسائل الاعلام في العالم. وشهدت قطر بعدها نجاح أفضل نسخة لكأس العالم في العاصمة الدوحة بشهادة الاتحاد الدولي والاعلام المحايد، وجاء حفلا الافتتاح والختام مبهرا بكل ما تحمله الكلمات من معان، وتوج منتخب الارجنتين بطلا بحضور سمو الأمير الوالد الذي تبنى الحلم القطري وتحقق.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني المحب للرياضة والرياضيين والداعم الدائم لكل الرياضات، وقد أوصى، رحمه الله، ببناء الملاعب الحديثة والتعاقد مع نجوم العالم للعب في الدوري القطري، وكان، رحمه الله، يحضر المباريات دون قيود رسمية متميزا بتواضعه مع الجميع.