- يجوز الاجتماع في العزاء شريطة ألا يكون فيه تهييج للحزن ولا يؤدي للنياحة ونحوها
- صناعة الطعام لأهل الميت بدعة تخالف السنة وفيها مخالفة لهدي السلف الصالح
كل عمل يقصد به التعبد لله لابد ان يكون ثابتا عن الله عز وجل في كتابه الكريم، او عن النبي صلى الله عليه وسلم، بقول او فعل او تقرير، ولما كان العزاء مما يقصد به الاجر من الله بتسلية اهل الميت والتخفيف عنهم بالدعاء لهم، فقد ثبتت طريقة تعزية اهل الميت بالسنة من المصطفى صلى الله عليه وسلم وعمل ذلك صحابته وخلفاؤه الراشدون، رضوان الله عليهم اجمعين، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في تعزية إحدى بناته بعد موت (ابنها): إن لله تعالى ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وأمرها بالصبر والاحتساب (رواه البخاري ومسلم).
وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في تعزية من اصابته مصيبة الموت، حيث قال: ما من مؤمن يعزي اخاه بمصيبة الا كساه الله سبحانه وتعالى من حلل الكرامة يوم القيامة (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني).
ولكن، نجد عند البعض ان التعزية هي تجمع الناس للعزاء، او نصب الخيام وتقديم المشروبات والاطعمة والجلوس للتعزية، وهذا الامر لم يكن معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فهل هذه من البدع المستحدثة؟ هذا ما توضحه لنا الشيخة د.هيا بنت سلمان الصباح.
تشغيل تسجيل القرآن
توضح لنا الأستاذة بكلية الشريعة والدراسات الاسلامية الشيخة د.هيا بنت سلمان الصباح بعض العادات المبتدعة في مجالس العزاء، فتقول: ان من بدع التعزية والتي لا اصل لها ولا اساس تشغيل تسجيل القرآن الكريم بمكبرات الصوت، وهذا الامر الذي اعتاده الناس في ايام العزاء امر محدث وبدعة وفيه مفاسد جمة، وذلك ان هذا الامر مستمد من الصوفية، فإحداثه والعمل به فيه تشبه ببدع الصوفية، حيث انهم في مجالس عزائهم يأتون بالقراء، وهذا العمل لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة ولا في عهد اصحابه، والقرآن الكريم إنما تخفف به الاحزان اذا قرأه المسلم بينه وبين نفسه، لا إذا اعلن به في مكبرات الصوت، فتشغيله وقت التعزية لا انصات فيه لكلام الله جل جلاله، فيدخل في عدم تعظيم كلام الله جل جلاله، فلا يجوز تشغيله في هذه الحالة.
وعن استقبال المعزين في العزاء لا بأس به، كما قال عنه شيخنا الامام ابن باز ـ رحمه الله ـ انه لا بأس به، غايته تسلية المؤمن وتخفيف وطأة حزنه وجلل مصابه وليس الاجتماع لسماع القرآن في مكان يعج بالسلام والاطمئنان على الحال وشيء من الاحاديث والكلام،
الجلوس في العزاء
ولفتت د.هيا الصباح الى مسألة الجلوس في العزاء واستقبال المعزين، بأنها مسألة من المسائل التي اختلف فيها العلماء والاجتهاد فيها واسع، فمن اختار بدعيته فإنه لا يثرب على من أجاز لدواعي الأعراف.
روى ابن عبدالكبير في التمهيد 3-85 بسنده عن سفيان الثوري أنه قال: «إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختلف فيه وأنت ترى غير فلا تنهه».
حكم بدعية الجلوس
وأشارت د.الصباح إلى من حكم ببدعية الجلوس في العزاء فإنه يحكم في الصورة المكتملة التي هي محل البدعة وصورتها وهي: الاجتماع والجلوس وصنع الوليمة كما جاء في أثر جرير البجلي «على ضعف فيه» قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه: من النياحة» رواه أحمد (6866)، وابن ماجه (1612). وهذا الأمر لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، فهو من المحدثات وفيه مخالفة لهدي السلف الصالح الذين لم يجلسوا ويجتمعوا للعزاء.
وهذا ليس في استقبال المعزين فقط كما هو الحاصل في زمننا، أن الرخصة في الجلوس للعزاء رواية عن أحمد، لأنه عزى وجلس، قال الخلال كما في الإنصاف للمرداوي (2/539): «سهل الإمام أحمد في الجلوس إليهم.. واختاره المجد ابن تيمية.
وفي الصحيحين عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: انها إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها ثم قالت كلن منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب بعض الحزن» متفق عليه.
وأكدت د.الصباح أن هذا الحديث من أقوى أدلة جواز الاجتماع في العزاء.
دليل المنع
وأشارت الى ان من منع وحكم بالبدعة فلدليل وتعليل، أما الدليل فلأثر جرير البجلي وتقدمت الإشارة بضعفه. وأما التعليل فلكون العزاء يهيج الحزن، واختياري هنا بالجواز شريطة أن لا يكون فيه تهييج للحزن ولا يؤدي للنياحة ونحوها.
صناعة الطعام
أما عن صناعة الطعام لأهل الميت فهي بدعة تخالف السنة. وقد سئل الإمام أحمد - رحمه الله - عن صنع الطعام والذبح قال: (من فعل الجاهلية) وأنكره شديد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : «وأما صنعة أهل الميت طعاما يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع، وإنما هو بدعة».
وقد استثنى الإمام ابن قدامة - رحمه الله - : «ما إذا دعت الحاجة لإصلاح أهل الميت للطعام جاز، فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القربى والأماكن البعيدة، ويبيت عندهم، فلا يمكنهم إلا أن يضيفوه». (المغني) 497/3.