في التاريخ دول تنتصر بالسلاح، ودول تنتصر بالقلب، والكويت من النوع الثاني.
قبل الغزو، كانت الكويت مستشفى العرب المفتوح. العراقي الذي لم يجد علاجا يأتي إلى الكويت، والطالب العراقي يدرس في جامعة الكويت، والتاجر العراقي يجد فيها التسهيلات.
كنا نعطي البعيد قبل القريب، والغريب قبل الأخ. لم يكن ذلك ضعفا، بل كان إيماننا بأن «الجيرة قبل الدار».
> > >
الغزو ما كان على النفط، بل كان على القلب. ففي الثاني من أغسطس 1990 حاولوا أن يمحوا ذاكرة بلد عمره ما قال «لا» لعربي محتاج.
قصفوا المستشفيات التي عالجت جرحاهم، واحتلوا المدارس التي درست أبناءهم، ونهبوا البيوت التي انفتحت لهم.
كانوا يريدون معاقبة الكويت على طيبتها.
> > >
حكمة الحكومات المتعاقبة هي التي أعادت الكويت. فبعد التحرير لم يكن هناك وقت للبكاء، بل كان هناك وطن يجب أن ينهض، وتكفلت حكمة الحكومات المتعاقبة بهذه المهمة.
ففي عهد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، كان هناك:
- صندوق التعويضات: أُسست لجان لتعويض المواطنين والشركات عن الأضرار والخسائر، وصرفت ملايين الدنانير لإعادة الناس إلى بيوتهم.
- لجنة شؤون الأسرى والمفقودين والشهداء: تابعت قضايا الشهداء والأسرى، ورعت أسرهم، ولم تنس أحدا.
- إعادة الإعمار: عاد إنتاج النفط خلال أشهر، في إنجاز إداري قادته الحكومة بتوجيهاته.
> > >
وفي عهد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، «أمير الإنسانية»، استمر النهج:
- بناء القرى النموذجية: أمر ببناء مساكن للمتضررين، وتزويدها بالكهرباء والماء والمدارس والمراكز الصحية، ولم يترك أسرة شهيد من دون سكن كريم.
- ديبلوماسية العطاء: تحت رعايته أصبحت الكويت من أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية في العالم، واستضافت مؤتمرات المانحين للعراق وسورية واليمن.
- المساعدات الخارجية: واصل نهج مساعدة الشعوب، حتى الدول التي كانت في الصف الآخر عام 1990.
واستمرت الحكومات بعد ذلك على النهج نفسه: التعويض، والإعمار، والاستثمار في الإنسان.
> > >
الدرس الذي تعلمناه أن أصعب سؤال كان: «يمه، ليش الضيف، جارنا اللي عطيناه بيتنا، كسر بيتنا؟».
وفهمنا وقتها أن الكرم بلا حكمة قد يجعل بعض الناس يظنونه حقا مكتسبا.
لكن الكويت لم تتغير. فبعد عام 2003 قدمت للعراق مساعدات بمليارات الدولارات، وبنت مساكن ومستشفيات ومدارس.
لأن الكويتي، حتى لو انجرح مئة مرة، ففي المرة الواحدة بعد المئة سيمد يده. هذه ليست سذاجة، بل أخلاق دولة رباها البحر والصبر.
الخاتمة: سيذكر التاريخ الغزو بالسواد، وسيذكر الكويت بالتعويضات التي وقعها الشيخ جابر، وبالبيوت التي بناها الشيخ صباح، وبالمستشفيات التي لم تغلق أبوابها، وبالمليارات التي أنفقت لإعمار غيرها.
الكويت لم تنكسر، لأن حكومتها كانت سندا، وشعبها كان ظهرا.
الكويت باقية، معطاءة، ومرفوعة الرأس بحكمة شيوخها.
رحم الله من رحل من شيوخنا الكرام، وحفظ الله الكويت وأميرها وشعبها من كل مكروه وسوء.
[email protected]