أحمد مغربي
لم يكن نمو التسهيلات الائتمانية لدى البنوك المحلية خلال النصف الأول من عام 2026 مجرد زيادة اعتيادية في حجم التمويل، بل يكشف عن تغير واضح في خريطة الائتمان داخل الاقتصاد الكويتي، فبينما ارتفعت المحافظ الائتمانية للبنوك بنحو 1.568 مليار دينار خلال ستة أشهر فقط، لم تتوزع هذه الزيادة بالتساوي بين مختلف القطاعات، وإنما تركزت بصورة لافتة في ثلاثة محاور رئيسية هي القروض الإسكانية والصناعة والعقار، التي استحوذت وحدها على ما يقارب ثلاثة أرباع القروض الجديدة، في مؤشر واضح على تغير أولويات التمويل داخل الجهاز المصرفي.
وتشير بيانات بنك الكويت المركزي إلى أن إجمالي أرصدة الجزء النقدي المستخدم من التسهيلات الائتمانية للمقيمين ارتفع من 53.18 مليار دينار في نهاية ديسمبر 2025 إلى 54.75 مليار دينار بنهاية يونيو 2026، بزيادة بلغت 1.568 مليار دينار، وبنسبة نمو 2.95%.
وتكشف خريطة التمويلات الجديدة خلال النصف الأول من عام 2026 عن تمركز غير مسبوق للزيادة الائتمانية في ثلاثة قطاعات رئيسية هي القروض الإسكانية والصناعة والعقار، إذ استحوذت مجتمعة على 1.154 مليار دينار، بما يعادل 73.63% من إجمالي الزيادة البالغة 1.5677 مليار دينار، وجاءت القروض الإسكانية في المرتبة الأولى بإضافة 410.8 ملايين دينار، تلتها الصناعة بزيادة بلغت 378.3 مليون دينار، ثم العقار بزيادة قدرها 365.2 مليون دينار، بما يعني أن ما يقارب ثلاثة من كل أربعة دنانير أضافتها البنوك إلى محافظها الائتمانية خلال النصف الأول من العام اتجهت إلى هذه القطاعات الثلاثة.
غير أن قراءة تفاصيل البيانات تكشف أن الرسالة الأهم لا تكمن في حجم الزيادة، وإنما في وجهة هذه الأموال، إذ أعادت البنوك توزيع محافظها الائتمانية بصورة تعكس تغيرا في أولويات التمويل، مع منح الأفضلية للقطاعات المرتبطة بالإنتاج والاستثمار والأصول طويلة الأجل، مقابل انحسار التمويل في بعض الأنشطة التجارية والاستهلاكية.
الصناعة.. مفاجأة النصف الأول
إذا كان القطاع العقاري اعتاد تصدر المشهد الائتماني خلال السنوات الماضية، فإن قطاع الصناعة كان بلا منازع مفاجأة النصف الأول من عام 2026.
فالقطاع لم يحقق فقط نموا إيجابيا، بل سجل أعلى معدل نمو بين جميع القطاعات الاقتصادية الرئيسية، بعدما ارتفع رصيد التسهيلات الائتمانية الممنوحة له من 2.13 مليار دينار في نهاية ديسمبر إلى 2.5 مليار دينار بنهاية يونيو، محققا زيادة بلغت 378.3 مليون دينار خلال ستة أشهر، وبنسبة نمو وصلت إلى 17.8%.
وتعكس هذه الأرقام توسعا واضحا في التمويل الموجه للقطاع الصناعي، سواء لتمويل خطوط إنتاج جديدة أو توسعات تشغيلية أو استثمارات صناعية، وهو ما يجعله أكبر المستفيدين من إعادة توزيع الائتمان خلال الفترة.
كما أن اللافت في هذه الأرقام أن قيمة الزيادة التي حققها القطاع الصناعي جاءت الأكبر بين القطاعات الإنتاجية، وهو ما يعكس ثقة أكبر من الجهاز المصرفي في هذا النشاط مقارنة بقطاعات أخرى.
العقار.. الرهان لا يزال قائماً
ورغم صدارة الصناعة من حيث معدل النمو، فإن القطاع العقاري بقي أحد الأعمدة الرئيسية للمحافظ الائتمانية لدى البنوك.
فقد ارتفع رصيد التسهيلات العقارية من 10.72 مليارات دينار في نهاية ديسمبر إلى 11.08 مليار دينار بنهاية يونيو، بزيادة بلغت 365.2 مليون دينار، وبنسبة نمو 3.4%.
ويعني ذلك أن العقار استحوذ وحده على نحو 23% من إجمالي الزيادة الائتمانية خلال النصف الأول من العام، ليؤكد استمرار مكانته كأحد أهم القطاعات الجاذبة للتمويل المصرفي.
كما أن وصول التمويل العقاري إلى أكثر من 11 مليار دينار يعكس استمرار الطلب على التمويل المرتبط بالمشروعات العقارية والاستثمارية، إلى جانب التمويل الموجه لشركات التطوير العقاري.
التسهيلات الشخصية... الأكبر حجماً
ورغم أن الأنظار اتجهت إلى الصناعة والعقار، فإن التسهيلات الشخصية بقيت أكبر مكونات المحافظ الائتمانية للبنوك.
فقد ارتفع رصيدها من 20.02 مليار دينار إلى 20.34 مليار دينار، بزيادة بلغت 318.6 مليون دينار، وبنسبة نمو 1.6%، لتستحوذ وحدها على نحو 37% من إجمالي التسهيلات الائتمانية في الكويت.
إلا أن تفاصيل هذا القطاع تكشف أن الصورة تختلف كثيرا عند النظر إلى مكوناته الداخلية.
فالزيادة لم تكن نتيجة ارتفاع جميع أنواع القروض الشخصية، بل جاءت مدفوعة بالكامل تقريبا بالقروض الإسكانية.
فقد ارتفعت القروض الإسكانية من 17.27 مليار دينار إلى 17.68 مليار دينار، بزيادة بلغت 410.8 ملايين دينار، وبنسبة نمو 2.4%، لتظل المحرك الرئيسي لنمو التمويل الشخصي.
في المقابل، تراجعت القروض الاستهلاكية من 2.077 مليار دينار إلى 2.041 مليار دينار، بانخفاض بلغ 36 مليون دينار، أي بنسبة 1.7%.
كما انخفضت قروض السكن الخاص والنموذجي من 198.2 مليون دينار إلى 174.9 مليون دينار، بتراجع بلغت قيمته 23.3 مليون دينار، أي بنسبة 11.8%.
وسجل بند القروض الشخصية الأخرى انخفاضا من 475.6 مليون دينار إلى 442.6 مليون دينار، بخسارة بلغت 33 مليون دينار، وبنسبة 6.9%. وتشير هذه الأرقام إلى أن القروض الإسكانية أصبحت عمليا المحرك الوحيد لنمو التسهيلات الشخصية، في حين شهدت بقية المكونات تراجعا أو استقرارا.
الاستثمار في الأسهم يواصل الصعود
كما واصل التمويل المخصص لشراء الأوراق المالية نموه خلال النصف الأول من العام.
فقد ارتفع إجمالي هذا البند من 4.792 مليارات دينار إلى 4.908 مليارات دينار، بزيادة بلغت 116 مليون دينار، وبنسبة نمو 2.4%.
وجاء هذا النمو نتيجة ارتفاع التمويل المقدم للشركات والمؤسسات من 3.11 مليارات دينار إلى 3.13 مليارات دينار، إضافة إلى ارتفاع التمويل الموجه للأفراد من 1.68 مليار دينار إلى 1.76 مليار دينار، وهو ما يعكس استمرار النشاط الاستثماري في سوق الأوراق المالية.
الإنشاء.. نمو هادئ
أما قطاع الإنشاء، فقد حافظ على مسار نموه ولكن بوتيرة أكثر هدوءا، وارتفع رصيد التسهيلات من 2.6831 مليار دينار إلى 2.7856 مليار دينار، بزيادة بلغت 102.5 مليون دينار، وبنسبة نمو 3.8%، بما يعكس استمرار التمويل الموجه لمشروعات المقاولات والبنية التحتية.
المؤسسات المالية.. توسع ملحوظ
وسجلت المؤسسات المالية غير المصرفية، والتي تشمل شركات الاستثمار والتمويل والتأمين والصرافة، نموا قويا، بعدما ارتفعت التسهيلات من 1.6733 مليار دينار إلى 1.8167 مليار دينار، بزيادة بلغت 143.4 مليون دينار، وبنسبة نمو 8.6%.
الخدمات والنفط.. نمو متواصل
كما ارتفعت التسهيلات الموجهة إلى قطاع الخدمات الأخرى من 4.1268 مليارات دينار إلى 4.3005 مليارات دينار، بزيادة بلغت 173.7 مليون دينار، وبنسبة نمو 4.2%، ليظل ثالث أكبر القطاعات المقترضة من البنوك.
وسجل قطاع النفط الخام والغاز نموا جيدا، بعدما ارتفعت التسهيلات من 2.0568 مليار دينار إلى 2.2094 مليار دينار، بزيادة بلغت 152.6 مليون دينار، وبنسبة نمو 7.4%، بما يعكس استمرار التمويل الموجه للمشروعات والخدمات المرتبطة بالقطاع النفطي، أما قطاع الخدمات العامة، فقد حقق أعلى معدل نمو نسبي بلغ 85.6%، بعدما ارتفعت التسهيلات من 115.6 مليون دينار إلى 214.5 مليون دينار، بزيادة بلغت 98.9 مليون دينار.
ماذا تقول الأرقام؟
تكشف بيانات «المركزي» أن البنوك المحلية لم تكتف بزيادة التمويل خلال النصف الأول من عام 2026، بل أعادت ترتيب أولويات الإقراض بصورة واضحة، فالتمويل اتجه بصورة أكبر نحو القطاعات الإنتاجية والاستثمارية، وفي مقدمتها الصناعة والعقار، مع استمرار الزخم في القروض الإسكانية.
وتشير هذه التحولات إلى أن النمو الائتماني لم يعد قائما على التوسع الكمي فقط، وإنما أصبح أكثر انتقائية في توزيع التمويل، بما يعكس توجه الجهاز المصرفي نحو دعم الأنشطة الاقتصادية ذات الأصول طويلة الأجل والقيمة المضافة، مع المحافظة على جودة المحافظ الائتمانية وتنويعها في ظل المتغيرات الاقتصادية المحلية والإقليمية.