مفرح الشمري
في تاريخ الأوطان، هناك مواقف لا تحفظها الكتب وحدها، بل تحفظها أيضا الأغنيات التي ولدت من رحم الألم، وحملت في كلماتها ولحنها مشاعر شعب بأكمله، وبين تلك المحطات الخالدة، يبقى اسم المطرب القدير عبدالعزيز المفرج (شادي الخليج) حاضرا بوصفه أحد أهم الأصوات التي وقفت إلى جانب الكويت في أصعب أيامها، حين اجتاحها الغزو العراقي الغاشم، فكانت أغنياته رسالة صمود، وأملا يتجدد، ووطنا يغنى رغم الوجع.
ومع حلول الذكرى الـ 36 للغزو العراقي الغاشم، نشر الحساب الرسمي لأعمال المطرب شادي الخليج أبرز أعماله الوطنية التي قدمها خلال فترة الاحتلال وبعد التحرير، وكأنه يفتح نافذة على زمن لم يكن الفن فيه مجرد مساحة للغناء، بل كان موقفا وطنيا صادقا، وسلاحا معنويا أسهم في رفع الروح المعنوية للكويتيين داخل الوطن وخارجه.
لم تكن تلك الأغنيات مرتبطة بحدث عابر أو مناسبة مؤقتة، بل أصبحت مع مرور السنوات جزءا من ذاكرة الكويت، تتردد كلماتها كلما عاد الحديث عن تلك الأيام الصعبة، فقد حملت الأغنية الوطنية آنذاك مسؤولية كبيرة، واستطاعت أن تلامس القلوب لأنها خرجت من إحساس حقيقي بالانتماء، فجاءت صادقة في كلماتها، وعميقة في ألحانها، لتبقى حية في وجدان كل من عاش تلك المرحلة أو سمع عنها.
ومن بين أبرز الأعمال التي لاتزال حاضرة حتى اليوم أغنيات مثل «صوت الكويت»، و«يا كويت»، و«ربح السواحل»، و«كويتي للأبد»، و«الله أكبر»، وغيرها من الأعمال التي تجاوزت مفهوم الأغنية التقليدية، لتتحول إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وإلى محطات يستعيدها الكويتيون بكل فخر واعتزاز كلما حلت ذكرى التحرير أو الغزو.
وجاء هذا الإرث الفني نتيجة تعاون جمع شادي الخليج بكوكبة من كبار المبدعين في الكويت، حيث شاركه في صناعة تلك الأعمال نخبة من أبرز الملحنين، يتقدمهم أحمد باقر، ويوسف المهنا، وغنام الديكان، فيما صاغ كلماتها عدد من كبار شعراء الكويت الذين استطاعوا أن يحولوا مشاعر الحزن والحنين والأمل إلى قصائد خالدة مثل د.عبدالله العتيبي ود.يعقوب الغنيم ود.خليفة الوقيان والأمير خالد الفيصل وعبدالله السنان وعبدالعزيز النجيعي، احتضنتها الألحان، وقدمها صوت شادي الخليج بإحساس صادق جعلها تعيش حتى يومنا هذا.
ولعل ما يميز تجربة شادي الخليج الوطنية أنه لم يكن فنانا يغني في أوقات الفرح فقط، بل كان حاضرا عندما احتاج الوطن إلى الكلمة الصادقة والصوت الذي يبعث الطمأنينة في النفوس، فكانت أغنياته بمنزلة رسالة تؤكد أن الكويت باقية، وأن شعبها متمسك بأرضه وهويته مهما اشتدت المحن.
واليوم، وبعد مرور ستة وثلاثين عاما على تلك الصفحة المؤلمة من تاريخ الكويت، لاتزال تلك الأعمال تحتفظ ببريقها وقيمتها، تتناقلها الأجيال، وتستعيدها الذاكرة باعتبارها جزءا أصيلا من تاريخ الكويت الثقافي والوطني..
الله يشافي المطرب القدير شادي الخليج «بوعلي»، والله يحفظ الكويت وأهلها من كل مكروه.