مفرح الشمري
هناك أسماء حين ترحل لا نشعر بأنها غابت تماما، لأنها تركت أثرا أكبر من السيرة والكتب والعروض، تركت شيئا يسكن في ذاكرة الناس، وفي خشبة المسرح، وفي عيون من تعلموا منها أن الفن ليس مجرد عرض ينتهي بإسدال الستارة.
الكتابة عن رحيل المخرج والمسرحي القدير صلاح القصب الذي وافته المنية أمس بعد صراع مع المرض من الأمور القاسية على القلب، لأني أكتب عن مسرحي حقيقي صاحب تجربة مختلفة وأحد أبرز الذين جعلوا من المسرح عالما من الضوء والظل والجسد والصورة والخيال.
أخذ القصب يشتغل على مشروعه المعروف بـ «مسرح الصورة»، حتى أصبح اسمه علامة بارزة في المسرح العراقي والعربي، تنظيرا وتطبيقا، وقدم أعمالا بقيت في ذاكرة المسرح، منها «الخليقة البابلية»، و«العاصفة»، و«عزلة في الكريستال»، و«حفلة الماس»، و«الحلم الضوئي»، و«الملك لير»، و«ماكبث».
ولم يكن القصب حاضرا في المشهد العراقي وحده، بل امتدت تجربته إلى الفضاء المسرحي العربي، وكانت الكويت إحدى المحطات المهمة في هذا الحراك، خصوصا عبر الفعاليات والمهرجانات المسرحية التي احتضنها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وفي مقدمتها مهرجان الكويت المسرحي، الذي أصبح على مدى سنوات مساحة للقاء المسرحيين من الكويت والخليج والوطن العربي.
وكان حضور القصب في هذه الدائرة المسرحية العربية تأكيدا على مكانته كواحد من الأسماء التي يصغى إليها حين يكون الحديث عن التجريب ومستقبل المسرح، ففي عام 2002 شارك في لجنة تحكيم المهرجان المسرحي الأردني العاشر ومهرجان المسرح العربي الثاني، إلى جانب أسماء مسرحية عربية بارزة.
والقصب لم يكن مخرجا سهلا، كان مشاغبا بالمعنى الجميل للكلمة، أراد من المتلقي ألا يكتفي بالمشاهدة، بل أن يتساءل وأن يبحث عن المعنى المختبئ خلف الصورة، كان يرى أن الضوء والجسد والموسيقى والفضاء يمكن أن تصبح لغة مسرحية كاملة، ولهذا بقيت تجربته عصية على النسيان.
وفي رحيله، ربما لا يكون السؤال: ماذا ترك صلاح القصب؟.. بل الأجمل أن نسأل: ماذا غير؟.. غير طريقة النظر إلى الخشبة، ووسع علاقة المخرج بالصورة، وفتح أبوابا جديدة أمام أجيال من المسرحيين..
رحم الله صلاح القصب.. غاب صاحب الصورة، وبقيت الصورة.