حفظ الله المملكة العربية السعودية وبلادنا من شرور الحاسدين والحاقدين، وحفظ الله قادتنا من كل شر، ووفقهم الله لما يحبه ويرضاه، وصدق من قال «لكل زمان دولة ورجال» فمن يقرأ تاريخ المملكة الشقيقة وقادتها يجد صدق هذا القول، فمنذ أن انطلقت راية التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) حملها ملك تلو ملك، وتشرفوا وتنافسوا بخدمة الحرمين الشريفين، وسائر مدن المملكة. إن قادة المملكة حين نستعرض عهودهم، نجد لكل عهد اسلوبا ونهجا مكملا لمن قبله، مع زيادة التحديث والتطوير، وإن ما تميز به عهد خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده صاحب السمو الملكي الامير محمد بن سلمان حفظهما الله، من حكمة وحنكة، وذكاء وابداع، وسباق مع الزمن يشهد لهم العالم على ذلك.
نقول هنا في بعض من تفصيل ذلك إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، حازت الزمان، والمكان، والمضمون، فكان الاجتماع والعهد والتوقيع بأطهر أرض، وأقدس بقعة، قبلة المسلمين جميعا وفى بيت الله الحرام، أما الزمان والتوقيت فكان يوم الجمعة وصلاة الجمعة، وكأن الشهود هم الركع السجود في صحن الكعبة، ويا له من مشهد، طغى على كل مشهد، جاء هذا الحدث في وقت كانت الدنيا حبلى بأحداث غير شرعية، ومخاض خطر على الأمة. وسبحان الله تعالى، ومن قبيل المصادفة الطيبة، قبل ان اكتب سطور هذا المقال كنت أقرأ قول الله عز وجل: فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين - الشعراء: 63-67) صدق الله العظيم.
فلعل الله سبحانه وتعالى ألهم هؤلاء القادة لصياغة وتوقيع هذه الاتفاقية ليضربوا بعصاهم على كل معتد أثيم. ولابد من القول هنا إن مثل هذا الجهد الطيب لا يتناقض مع اي اتفاقيات أو تحالفات أو تجمعات موجودة من قبل تنخرط فيها أطراف اتفاقية مكة. فهذا لا يناقض الجهد العربي عموما وإن ضعف بسبب الظروف المحيطة، ذلك أن الجامعة العربية تبذل جهدها ما استطاعت، ولا ننسى، على سبيل المثال، اجتماعها بعد الغزو الصدامي للكويت من أجل تأييد الحق الكويتي، وما تلا ذلك من دور جبار لمجلس التعاون الخليجي، في إطار إعادة الكويت إلى أهلها بغطاء عربي ودعم دولي لا مثيل له.
أما عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) فهذا أمر إيجابي يفيد إجمالا ويصب في خانة الإيجابية لهذا الاتفاق، فبالإضافة إلى قوة تحالف «اتفاقية مكة» هناك قوة الناتو التي تجعل من تسول له نفسه مجرد التفكير في تنفيذ أي اعتداء يراجع نفسه قبل ارتكاب أي حماقة. كذلك باكستان دولة إسلامية قوية تغطيها مظلة القوة النووية الرادعة لك صاحب عقل أخرق يفكر في الاعتداء على الآخرين ممن «يخافون ولا يختشون» وهي بذلك عنصر قوة كبيرة في الاتفاق الدفاعي المشترك.
هكذا نتبين مدى أهمية هذا التحالف ومدى حكمة القيادة السعودية في بذل الجهود في إتمامه، وهذا ينم في علم السياسة عن بصيرة وبعد نظر لاسيما مع تبدل الظروف السياسية الدولية والإقليمية من حين لآخر، مما يتطلب رؤية تناسب هذه المتغيرات والتحديات. هذا بطبيعة الحال على الرغم مما تتمتع به المملكة من مكانة خاصة في قلب كل عربي وكل مسلم حول العالم، وهذا أمر لا يتوفر لدولة أخرى، فلو طلبت السعودية من على منبر رسول الله وبمسجده او في البيت الحرام فزعة المسلمين بكل انحاء الارض لهب أكثر من ملياري مسلم وفزعوا لحماية أرض الحرمين، حيث بيت الله الحرام ومدينة رسوله صلى الله عليه وسلم وجاءوا مشيا او زحفا، وتلك حماية من الله سبحانه وهي أقوى بلا شك مما سواها.
خلاصة القول، إن «اتفاقية مكة» تكتيك سياسي، قانوني، يجاري قوانين هذا الزمن ويذكر الخصوم بأن الدول الثلاث تعمل بالنور وبوضوح، وبمؤسساتها الرسمية، وليس بالظلام من خلال خلايا واذرع وميليشيات، وكأن لسان حال الاتفاقية يقول: قد أعذر من أنذر.. دعونا نعمل للسلام والعيش الكريم، وتنمية بلداننا وتطويرها، لإسعاد المواطن ورفاهيته، ليبني بلده وأسرته، وينعم بحياة كريمة.
[email protected]