طارق عرابي
لم تعد حماية أموال عملاء البنوك في الكويت من الاحتيال تعتمد فقط على تحذير العميل من مشاركة بياناته المصرفية أو رمز التحقق، بل أصبحت جزءا من منظومة رقابية وتقنية تمتد من لحظة الدخول إلى الحساب حتى تنفيذ عملية الدفع، مرورا بالبطاقات والرسائل النصية وروابط الدفع والأمن السيبراني.
وعلى مدار سنوات، تطورت هذه المنظومة بالتوازي مع تطور أساليب الاحتيال الإلكتروني، لتنتقل تدريجيا من تعزيز أمان الخدمات المصرفية إلى بناء أدوات تستهدف اكتشاف الاحتيال والوقاية منه قبل وقوعه.
وبدأت هذه المنظومة مبكرا، إذ أشار بنك الكويت المركزي ضمن استعراضه للإجراءات المتخذة لحماية العملاء إلى تطبيق مبدأ الدخول المزدوج إلى المواقع الإلكترونية للبنوك والتطبيقات المرتبطة بها في عام 2009، بما وفر طبقة إضافية من الحماية من محاولات الدخول غير المصرح به إلى الخدمات المصرفية الإلكترونية. ومع التوسع في استخدام الخدمات الرقمية، واصل المركزي تشديد متطلبات الحماية لتشمل مختلف مراحل تعامل العميل مع حسابه وبطاقاته وعملياته المالية.
وفي عام 2011، اتسعت دائرة الحماية لتشمل حقوق العميل وآليات التعامل مع مشكلاته، من خلال إنشاء وحدات متخصصة للشكاوى لدى البنوك وشركات التمويل، بما وفر مسارا مؤسسيا للتعامل مع شكاوى العملاء ومعالجتها، وتبع ذلك في عام 2013 توفير خدمة هاتفية على مدار الساعة للاستفسارات والشكاوى والملاحظات، بما أتاح قناة مباشرة أمام العملاء للتواصل مع الجهة الرقابية عند وجود مشكلة أو استفسار يتعلق بالخدمات المصرفية.
وأصدر بنك الكويت المركزي في عام 2015 دليل حماية عملاء البنوك، ليشكل إطارا منظما للعلاقة بين البنك والعميل، ويرسخ مجموعة من المبادئ المرتبطة بالشفافية والسلوك المهني وحماية العميل. ولم يتوقف دور الدليل عند تنظيم العلاقة بين الطرفين، إذ تطور لاحقا ليمنح مواجهة مخاطر الاحتيال مساحة أكبر، حيث يؤكد دليل حماية العملاء مسؤولية البنوك في حماية ودائع العملاء ومدخراتهم والأصول المالية التي تقع ضمن دائرة معاملاتهم مع البنك، من خلال أنظمة رقابة داخلية فعالة وقادرة على الحد من الاحتيال والاختلاس وإساءة استخدام الخدمات المالية.
ومع تزايد الاعتماد على البطاقات والشراء عبر الإنترنت، دخلت إجراءات الحماية مرحلة أكثر ارتباطا بالمعاملات اليومية للعملاء. ففي عام 2017، شدد المركزي الضوابط الخاصة بالبطاقات المصرفية والشراء الإلكتروني، ومن أبرزها عدم السماح بتنفيذ العمليات عبر الهاتف أو الإنترنت إلا بعد إدخال رمز تحقق، إلى جانب تطبيق نظام 3D Secure للموافقة على عمليات الشراء عبر الإنترنت، ووضع ضوابط على المحاولات الخاطئة لإدخال الرقم السري، فضلا عن إصدار البطاقات بصورة لا تسمح باستخدامها إلا بعد تفعيلها من قبل العميل. وبذلك، أضيفت طبقات تحقق متعددة قبل السماح بإتمام العملية المصرفية.
وفي عام 2018، أضيفت أداة أخرى تجعل العميل نفسه جزءا من منظومة المراقبة، عبر إلزام البنوك بتوفير خدمة الرسائل النصية القصيرة، بما يعزز قدرة العميل على متابعة معاملاته المصرفية واكتشاف العمليات غير المعتادة بصورة أسرع. وتتيح هذه الخدمة للعميل معرفة العمليات التي تتم على حسابه فور تنفيذها، بدلا من اكتشافها لاحقا عند مراجعة كشف الحساب. ومع انتقال المخاطر من الاحتيال على مستوى المعاملة الواحدة إلى تهديدات إلكترونية أوسع، انتقلت الحماية في عام 2020 إلى مستوى أكثر شمولا، بإعلان بنك الكويت المركزي الانتهاء من بناء الإطار الاستراتيجي للأمن السيبراني للقطاع المصرفي في دولة الكويت. واستهدف الإطار وضع منظومة متكاملة للتعامل مع المخاطر السيبرانية وتعزيز حماية أمن المعلومات في القطاع المصرفي، بما يتناسب مع التطور المتسارع للتكنولوجيا والخدمات المصرفية الرقمية.
وأظهرت نتائج تطبيق الإطار أن حماية أنظمة الدفع الإلكترونية أصبحت من المحاور الأساسية للرقابة السيبرانية على القطاع، حيث أوضح تقرير الاستقرار المالي الصادر عن المركزي أن الجهات الخاضعة لرقابته عملت على الامتثال للضوابط الأمنية الواردة في الإطار خلال دورة التطبيق الأولى 2020-2021، كما حصل كامل القطاع المصرفي في عام 2021 على شهادة ISO/IEC 27001 الخاصة بإدارة أمن المعلومات، بما في ذلك «ساي-نت» و«كي-نت».
وبالتوازي مع التحصين التقني، عزز المركزي في عام 2021 خط الدفاع المرتبط بالعميل نفسه، من خلال حملة «لنكن على دراية»، التي استهدفت رفع الوعي المصرفي والمالي وحماية المجتمع من وسائل الاحتيال الإلكتروني. واستمر هذا النهج خلال السنوات التالية، مع التركيز على رفع قدرة العملاء على التعرف على الأساليب الاحتيالية والتعامل الآمن مع الخدمات المصرفية الرقمية.
ومع انتشار روابط الدفع الإلكتروني، تحولت هذه الأداة إلى محور جديد ضمن إجراءات الحماية. ففي عام 2023، جرى تشديد الضوابط المنظمة لخدمة روابط الدفع الإلكتروني للعملاء الأفراد، إذ تضمنت إظهار بيانات الطرف المستفيد في كشف الحساب، وألا تتجاوز صلاحية رابط الدفع 24 ساعة، إلى جانب تحديد سقوف يومية وشهرية لقيمة العمليات التي يمكن تنفيذها من خلال هذه الروابط، وجاءت هذه الإجراءات للحد من المخاطر المرتبطة باستخدام روابط الدفع في تنفيذ المعاملات الإلكترونية.
وفي يونيو 2024، انتقلت الضوابط خطوة إضافية نحو تمكين العميل من معرفة تفاصيل الأموال التي سيدفعها والجهة التي ستتلقاها قبل إتمام العملية، فألزم المركزي الجهات المعنية بعرض تفاصيل عملية الدفع للعميل قبل الانتقال إلى بوابة الدفع، على أن تتضمن قيمة المبلغ واسم الطرف المستفيد والغرض من العملية، مع استيفاء موافقة العميل مسبقا. كما ألزم بإضافة قيمة مبلغ العملية إلى رسالة رمز التحقق لمرة واحدة (OTP)، حتى يتمكن العميل من مطابقة القيمة التي تظهر في الرسالة مع العملية التي يقوم بتنفيذها.
أما عام 2025، فشهد انتقال منظومة الحماية إلى مرحلة تستهدف تطوير أدوات أكثر تقدما للكشف المبكر عن الاحتيال والوقاية منه، مع إطلاق بنك الكويت المركزي «برنامج تسريع مبادرات درع الاحتيال»، الذي يستهدف تعزيز الكشف عن الاحتيال المالي الإلكتروني والوقاية منه، بمشاركة البنوك ومزودي خدمات الدفع والمبتكرين في التكنولوجيا المالية والجهات التنظيمية، بهدف تطوير حلول مبتكرة لحماية المعاملات المالية والعملاء.
وفي العام نفسه، جرى تعزيز الإطار الرقابي لحماية العملاء، إذ أكد دليل حماية عملاء البنوك المحدث في أكتوبر 2025 أن مواجهة الاحتيال المالي أصبحت جزءا واضحا من مسؤوليات البنوك، من خلال وضع أنظمة رقابة داخلية فعالة ومراجعة كفاءتها بصورة مستمرة لمواكبة تغير أساليب الاحتيال، إلى جانب حماية المعلومات المالية والشخصية وتوفير أنظمة آمنة للتعاملات الإلكترونية. واستكملت منظومة الحماية تحديثاتها في ديسمبر 2025، بإصدار إطار المرونة السيبرانية والتشغيلية للبنوك والمؤسسات المالية المحلية، ليحل محل إطار الأمن السيبراني للقطاع المصرفي الصادر في 2020، بما يعكس استمرار تطوير المتطلبات الرقابية لمواجهة المخاطر المتغيرة.
وبذلك، تكشف رحلة الحماية المصرفية في الكويت عن تحول تدريجي من تأمين وسيلة دخول العميل إلى حسابه إلى بناء «سياج» متعدد الطبقات حول أمواله وبياناته ومعاملاته، يبدأ بالدخول الآمن والتحقق المتعدد، ويمتد إلى حماية البطاقات والتنبيهات الفورية والأمن السيبراني وضوابط روابط الدفع والتوعية، وصولا إلى الأدوات المتقدمة للكشف عن الاحتيال والوقاية منه. ومع إطلاق «درع الاحتيال» وتحديث إطار المرونة السيبرانية، بات الاتجاه يركز بصورة أكبر على اكتشاف محاولات الاحتيال ومنعها مبكرا، وليس الاكتفاء بالتعامل مع آثارها بعد وقوع الضرر.