مفرح الشمري
هناك مشاهد لا تحتاج إلى حوار طويل حتى تصل إلى القلب، لأن الوجع فيها أكبر من الكلام، في الحلقة السابعة من مسلسل «أحمر ولا أبيض»، يقف إبراهيم الحساوي أمام لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى، أب كان غاضبا من ابنه، وصل به الغضب إلى أن يطرده من البيت، ثم تأتي الصدمة التي لا تمنح الإنسان فرصة للتراجع.. ابنه قتل، فجأة، يصبح كل شيء آخر بلا قيمة، الغضب الذي كان يملأ المكان ينطفئ، وتبقى صورة الابن وحدها في الذاكرة، الابن الذي خرج من البيت غاضبا، ولم يعد إليه.
وفي حوار الحساوي مع ابنته، تأتي الكلمات كأنها طعنة أخرى في قلب هذا الأب، حين يقول: «الشرطة لقت مشاري.. بس مقتول.. مقتول يا بنتي.. وما ودعنا.. كنت أتمنى أشوفه وأحضنه»، هنا الحوار ليس مجرد كلمات مكتوبة في سيناريو، بل يتحول إلى وجع أب أدرك في لحظة أن آخر فرصة للقاء ابنه انتهت إلى الأبد، ثم ينهار الحساوي بالبكاء.. مشهد يقشعر له البدن، ليس لأن البكاء كان عاليا، بل لأنه جاء محملا بكل ما سبق: غضب، ندم، صدمة، وحنين إلى حضن لم يحدث!
من هنا تأتي قوة إبراهيم الحساوي في المشهد الذي يجب على جيل الفنانين حاليا أن يتعلموا منه، لأننا لم نشاهد أبا يصرخ كي يقنعنا بأنه مكسور، ولم نحتج إلى دموع كثيرة حتى نفهم حجم المصيبة، كانت ملامحه كافية، نظرة تحمل صدمة الخبر، ووجع رجل بدأ يستوعب أن اللحظة التي كان ينتظرها لتجمعه بابنه لم تكن كما كان يتمنى!
إبراهيم الحساوي في هذا المشهد لم يقدم لنا حزن أب فقط.. قدم حرارة الأبوة وهي تصطدم بأبرد حقيقة يمكن أن يعيشها الإنسان، أن تفقد من تحب قبل أن تصلح ما بينكما.. شكرا للحساوي والشكر موصول للمخرج منير الزعبي على جودة المشهد.