قال تقرير قيادة الفكر الصادر عن شركة الوطني للثروات حول: الاستثمار في احتياجات الطاقة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، انه وعلى مدى السنوات الماضية، كانت قصة الذكاء الاصطناعي تدور حول البرمجيات والشرائح الإلكترونية: النماذج القادرة على الكتابة، والبرمجة، والتفكير المنطقي، بالإضافة إلى المعالجات التي دربت عليها. وخلال هذه المرحلة، كانت الطاقة الكهربائية تعامل كعنصر تشغيلي ثانوي لا يحظى باهتمام يذكر من المستثمرين.
إلا أن التوسع المتسارع في اعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي غير هذه المعادلة، إذ لم يعد التحدي الرئيسي مقتصرا على قدرات الشرائح الإلكترونية، بل أصبح يتمثل في تأمين إمدادات كافية من الطاقة وتوفير البنية التحتية المادية اللازمة لدعم التشغيل على نطاق واسع.
وقال التقرير إن المبالغ المستثمرة كبيرة بدرجة تؤثر بشكل مباشر على المحافظ الاستثمارية، وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) لسعة مراكز البيانات إلى حجم استثمارات تراكمية يبلغ نحو 3.9 تريليونات دولار حتى عام 2030.
ويمكن لهذه المنشآت الآن أن تستهلك قدرا من الكهرباء يعادل ما تستهلكه المصانع الثقيلة، كما أن شهيتها للطاقة تنمو بمعدل أسرع بكثير من وتيرة توسع شبكات الكهرباء التي تغذيها. وبالنسبة للمستثمرين على المدى الطويل، لم تعد هذه القصة مجرد قصة تكنولوجيا، بل أصبحت قصة بنية تحتية وطاقة تحمل في طياتها فرصها ومخاطرها الخاصة.
حجم الطلب الفعلي
وأضاف التقرير ان مراكز البيانات استهلكت ما يقدر بـ 485 تيراوات-ساعة (TWh) في عام 2025، أي نحو 1.5% من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي (وفقا لوكالة الطاقة الدولية). ولكن الأهم من الحصة الحالية هو سرعة النمو. فتتوقع التقديرات الرئيسية لوكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف الاستهلاك أكثر من مرتين ليصل إلى نحو 945 تيراوات-ساعة بحلول عام 2030، وهو ما يزيد قليلا عن إجمالي الاستهلاك الحالي لليابان، ليعود ويصل إلى 1.200 تيراوات-ساعة بحلول عام 2035.
وتستحوذ الولايات المتحدة على ما يقارب 45% من إجمالي استهلاك الكهرباء الخاص بمراكز البيانات على مستوى العالم، تليها الصين بنحو 25% ثم أوروبا بحوالي 15%، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.
وبينما تتفاوت التقديرات بشأن حجم استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول عام 2030، فإنها تتفق جميعا على اتجاه تصاعدي قوي. إذ تشير تقديرات «مختبر لورنس بيركلي الوطني» إلى أن مراكز البيانات قد تمثل نحو 11.8% من إجمالي الطلب على الكهرباء (ضمن نطاق يتراوح بين 9.5% و15.3%)، فيما يقدر «معهد أبحاث الطاقة الكهربائية» (EPRI) النسبة بين 9% و17%، بينما تتوقع «ماكينزي» أن تصل إلى ما بين 11% و12%.
والمفارقة أن هذه التقديرات تنطلق من مستوى لا يتجاوز 3% إلى 5% في الوقت الحالي، ما يعكس سرعة النمو الاستثنائية للقطاع. فبعد أن كان استهلاك مراكز البيانات للكهرباء يشكل حصة هامشية من الطلب الوطني قبل سنوات قليلة فقط، أصبح مرشحا لتمثيل نحو ثمن إجمالي الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.
وعلى الرغم من اتساع نطاق التوقعات واعتماد النتيجة النهائية على مجموعة من العوامل، فإن السيناريو الأساسي والأكثر احتمالا يشير إلى ارتفاع الاستهلاك بمعدل يتضاعف عدة مرات خلال الأعوام الأربعة إلى الخمسة القادمة.
البنية التحتية المادية
ويحول هذا الطلب الصناعة من مجال افتراضي غير ملموس إلى صناعة مادية بحتة، فتشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يتطلب توليد الطاقة، وخطوط النقل، والمحولات، وأنظمة التبريد، والمياه، والأراضي، وهو ما يوسع نطاق الاستثمار ليتجاوز مجرد مجموعة محددة من شركات التكنولوجيا.
أما من ناحية توليد الطاقة فلا يوجد مصدر وقود واحد يحتكر المشهد. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تلبي الطاقة المتجددة نحو نصف النمو في الطلب على مراكز البيانات، مما يضيف أكثر من 450 تيراوات-ساعة بحلول عام 2035، مدعومة بقصر فترات الإنشاء وانخفاض التكلفة.
ويغطي الغاز الطبيعي معظم النسبة المتبقية، خاصة في الولايات المتحدة حيث تدعمه السياسات وتوفر الإمدادات الرخيصة. وتسهم الطاقة النووية على مدى زمني أطول، حيث يعيد القطاع إحياء الاهتمام بالمفاعلات الصغيرة المعيارية (Small Modular Reactors، SMRs)، وهي وحدات مدمجة تبنى على مراحل، ومن المتوقع أن تبدأ بالظهور بحلول عام 2030 (وفقا لوكالة الطاقة الدولية). وتتوزع الجهات المستفيدة بين شركات المرافق الخدمية، ومنتجي الطاقة المستقلين، وسلاسل إمداد الغاز والطاقة النووية، ومصنعي المعدات فيما بينهم.
كما باتت شبكات الكهرباء تمثل عائقا رئيسيا أمام التوسع، الأمر الذي يعود بالنفع على الجهات القادرة على تقديم حلول فعالة لهذه التحديات.
إذ يتطلب تطوير خطوط نقل جديدة في الاقتصادات المتقدمة فترة تتراوح بين أربع وثماني سنوات، فضلا عن أن فترات الانتظار للمحولات والكيبلات تضاعفت خلال السنوات الثلاث الأخيرة. أما المعدات التي كانت تمثل جزءا غير لافت من التصنيع الصناعي فقد أصبحت فجأة شحيحة، بينما يعاد تقييم شركات المرافق الخدمية، التي طالما عدت أصولا دفاعية ذات نمو بطيء، مع عودة نمو الطلب لأول مرة منذ عقود.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفف جزء من الضغط الذي يسببه، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية أن إدارة شبكات الكهرباء بمساعدة الذكاء الاصطناعي قد تحرر ما يصل إلى 175 غيغاواط من سعة النقل دون الحاجة إلى بناء خطوط جديدة.
وقال التقرير إن حجم الإنفاق يتسبب في إعادة تشكيل كيفية تمويل هذه المشاريع. فالمبلغ المقدر بنحو 3.9 تريليون دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة يعد كبيرا جدا بحيث لا يمكن تغطيته من ميزانيات الشركات وحدها.
وهذه الفجوة بين الطموح والتدفقات النقدية الداخلية تستقطب رؤوس أموال خارجية، وهنا يلتقي موضوع الذكاء الاصطناعي بالأسواق الخاصة ويصبح أكثر أهمية للمحافظ الاستثمارية مقارنة بأي توقعات للطلب.
وقد بلغ متوسط إجمالي إصدارات الديون السنوية لأكبر خمس شركات تقنية (hyperscalers) حوالي 35 مليار دولار أميركي سنويا بين عامي 2020 و2024، قبل أن يقفز إلى 93 مليار دولار في عام 2025 ونحو 132 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بحسب بيانات فانغارد.
أما التقديرات الأوسع التي تشمل مصنعي الشرائح، والمطورين، وشركات المرافق الخدمية، فهي أعلى بعدة أضعاف. فالشركات التي كانت تتمتع بفائض نقدي هيكلي قبل بضعة أعوام باتت تصنف اليوم ضمن أكبر المقترضين في السوق.
وتظهر هياكل تمويل جديدة إلى جانب الديون، ففي أغسطس 2026، أعلنت شركة «إنفيديا» عن شراكات مع العديد من مديري الأصول العالميين لإطلاق منصات تهدف إلى استقطاب أكثر من 500 مليار دولار أميركي من رؤوس أموال المستثمرين، مما يمنح مشغلي السحابة والمؤسسات موارد تمويل مخصصة للأنظمة القائمة على تقنيات إنفيديا.
وتتعامل هذه الترتيبات مع القدرة الحسابية كبنية تحتية إنتاجية قادرة على تحقيق إيرادات طويلة الأجل ومرتبطة بمعدلات الاستخدام. ورغم أن التنفيذ ما زال في مراحله الأولى، إلا أنه يظهر أن عملية التوسع تستقطب رؤوس أموال ارتبطت تقليديا بقطاعات الطاقة، والنقل، والعقارات.
بالنسبة للمحافظ الاستثمارية المتنوعة، فإن الانكشاف الحقيقي والأكبر على هذا القطاع قد يوجد في البنية التحتية، والائتمان الخاص، والأصول المادية، بدلا من الاقتصار على أسهم التكنولوجيا المدرجة في الأسواق المالية.