- نحتاج إلى الانتقال من بيانات الإدانة إلى المبادرات العملية والاعتماد على قوة القانون لا قانون القوة
- الدول العربية تمتلك اتفاقيات للدفاع المشترك لكنها تحتاج إلى التفعيل بما يتناسب مع التحديات الراهنة
- احترام القانون الدولي يجب أن يشكل أساساً لحماية سيادة الدول العربية وأمنها الجماعي
- استهداف المواقع المدنية السعودية انتهاك للسيادة وممارسات مرفوضة تستوجب المحاسبة
أسامة دياب
أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، أن أمن دولة الكويت ودول الخليج العربي يمثل جزءا أصيلا من منظومة الأمن القومي العربي، مشددا على أن الجامعة لن تصمت أمام أي انتهاك للقانون الدولي يمس سيادة الدول العربية أو مصالحها، وأنها ستواصل تحركاتها السياسية والديبلوماسية لدعم أمن الدول الأعضاء واستقرارها.
وقال فهمي، خلال لقاء عقده مع ممثلي عدد من وسائل الاعلام المحلية على هامش زيارته الرسمية إلى الكويت، ان الاعتداءات التي تعرضت لها أراضي دول خليجية وسيادتها ومصالحها، بما فيها الكويت، لاسيما الاعتداءات المنسوبة إلى الجانب الإيراني، تعكس حجم التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة، مؤكدا استعداد الجامعة العربية لتقديم مختلف أشكال الدعم والتعاون السياسي بما يسهم في حماية المصالح الكويتية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وأوضح أن زيارته للكويت تنطلق من تقديره لمواقفها العربية الممتدة على مدى عقود، مستذكرا دورها خلال المراحل التي سبقت تحرير البلاد وما أعقبها.
وأعرب عن اعتزازه بحفاوة الاستقبال التي حظي بها، لافتا إلى أن لقاءاته مع كبار المسؤولين الكويتيين اتسمت بالعمق والصراحة، وشملت مباحثات استراتيجية وتفصيلية حول التحديات الراهنة ومستقبل العمل العربي المشترك.
وأضاف أنه سيعود إلى القاهرة حاملا رسائل ووجهات نظر كويتية بشأن المرحلة المقبلة ودور الجامعة العربية، موضحا أنه عرض خلال لقاءاته ملامح رؤيته لعمل الأمانة العامة، التي تضع حماية المصالح العربية في مقدمة أولوياتها.
منظومة الأمن العربي
وفي رده على سؤال بشأن الضمانات التي يمكن أن تقدمها الجامعة العربية لحماية سيادة الدول الأعضاء، أوضح فهمي أن الجامعة والدول العربية تشكلان منظومة متكاملة، تتولى فيها الدول مسؤولية توجيه العمل المشترك، فيما تضطلع الأمانة العامة بدور المبادرة والدعم والتنسيق السياسي.
وأشار إلى أن الضمانات المتاحة حاليا لا تتخذ طابعا عسكريا أو أمنيا مباشرا، وإنما تقوم على تنشيط التحرك السياسي والدبلوماسي، وتوحيد المواقف العربية، والتصدي لأي انتهاك للقانون الدولي يمس المصالح العربية.
وقال «أنا قلق على الوضع العربي وغير مرتاح له»، مشيرا إلى أن تعدد الأزمات والتحديات التي تواجه الدول العربية، سواء بفعل أطراف إقليمية أو نتيجة خلافات داخلية، يستدعي مراجعة جادة لآليات العمل العربي المشترك.
وشدد على أن احترام القانون الدولي يجب أن يشكل أساسا لحماية سيادة الدول العربية وأمنها الجماعي، مؤكدا أن الاعتماد على قوة القانون بدلا من قانون القوة يمثل ضرورة استراتيجية للدول العربية.
وأضاف أنه يسعى إلى تعزيز قدرة الجامعة العربية على الإسهام في تطوير الضمانات الأمنية للدول الأعضاء، وهو ما يتطلب جهدا مشتركا وتعاونا مستمرا بين الحكومات العربية والأمانة العامة.
نحو منظومة ردع عربية شاملة
وحول إمكانية إنشاء حلف دفاع عربي على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قال فهمي ان الدول العربية تمتلك بالفعل اتفاقيات للدفاع المشترك، لكنها تحتاج إلى التطوير والتفعيل بما يتناسب مع طبيعة التحديات الراهنة.
وأوضح أن رؤيته تقوم على بناء منظومة ردع عربية شاملة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل أيضا الردع السياسي، والعمل الديبلوماسي الجماعي، والتعاون الاقتصادي.
وأشار إلى أن حلف شمال الأطلسي تأسس في سياق مواجهة تهديد محدد، فيما ينبغي أن تنطلق المنظومة العربية من مبدأ التصدي لأي انتهاك للقانون الدولي يمس سيادة الدول العربية أو مصالحها.
القضية الفلسطينية أولوية عربية
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد فهمي أنها ستظل القضية المركزية والأولوية الأساسية في العمل العربي، مشددا على أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والتطورات التي يشهدها قطاع غزة يزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية.
وأوضح أن الجهود المبذولة على مدى العقود الماضية لم تنجح في إنهاء الاحتلال أو التوصل إلى حل عادل وشامل، معتبرا أن التعنت الإسرائيلي والدعم الأمني الأميركي للمواقف الإسرائيلية أسهما في تعقيد فرص التسوية.
وأضاف أن حل الدولتين لايزال الحل الوحيد الممكن للقضية الفلسطينية، لكنه أصبح أكثر صعوبة مقارنة بما كان عليه قبل خمس أو عشر سنوات، نتيجة التوسع الاستيطاني والتغيرات الجغرافية والديموغرافية على الأرض. وحذر من أن استمرار السياسات الاستيطانية الإسرائيلية يهدد إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا، مشيرا إلى أن الممارسات الإسرائيلية تستهدف، وفق تقديره، تقويض الهوية الفلسطينية وتغيير الواقع القائم.
وأكد تمسك الدول العربية بالأسس التي قامت عليها مبادرة السلام العربية، والتي أقرتها قمة بيروت عام 2002، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال والتوصل إلى تسوية شاملة.
وشدد على أن أولوية القضية الفلسطينية ينبغي ألا تحول دون التعامل مع بقية الأزمات العربية، لافتا إلى أن القاسم المشترك بينها يتمثل في ضرورة احترام القانون الدولي ورفض انتهاك السيادة واحتلال الأراضي.
اليمن واستهداف الأراضي السعودية
وبشأن التطورات اليمنية والاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية، دان فهمي استهداف المواقع المدنية السعودية، معتبرا أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكا للسيادة وممارسات مرفوضة تستوجب المحاسبة، سواء لمن ينفذها أو يدعمها.
وأشار إلى أن الأزمة اليمنية الممتدة تعكس مشكلة جوهرية تتمثل في غياب الاستقرار المستدام للدولة الوطنية، وما ترتب على ذلك من انقسامات وصراعات داخلية وتدخلات خارجية انعكست سلبا على الشعب اليمني وأمن الدول المجاورة.
وأوضح أنه بدأ الاطلاع على تطورات الملف اليمني والتشاور بشأنه، لكنه لم يتناول تفاصيل معالجته بعد، لافتا إلى اتصالات أجراها مع الجانب اليمني بشأن المستجدات الأخيرة.
وأكد أن استقرار الدولة اليمنية يمثل عنصرا أساسيا لأمن المنطقة، وأن استمرار التفكك والصراع يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات ويضاعف التحديات الأمنية والإنسانية.
القمم العربية وتنسيق المواقف
وبشأن إمكانية عقد قمة عربية طارئة لمناقشة التوترات الإقليمية والاعتداءات التي تتعرض لها دول الخليج، أكد فهمي أهمية الاجتماعات العربية على مستوى القادة ووزراء الخارجية، باعتبارها فرصة للتشاور وتنسيق المواقف وتحديد الأولويات المشتركة.
وأوضح أن أهمية القمم لا ترتبط بمجرد انعقادها، وإنما بحسن الإعداد لها ومتابعة تنفيذ القرارات الصادرة عنها، مشيرا إلى أن الاجتماعات رفيعة المستوى يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لمبادرات جديدة أو مناسبة لإعلان قرارات جرى التحضير لها مسبقا.
وأضاف أن الاتصالات الديبلوماسية العربية مستمرة على مختلف المستويات، وأنه سيعمل على تكثيفها في ضوء التطورات الإقليمية، مع السعي إلى تنظيم قمم عربية دورية لا تقتصر على معالجة الأزمات، بل تمتد إلى استشراف المستقبل.
الاستفادة من التجربة الأوروبية
وفي معرض مقارنته بين تجربة الاتحاد الأوروبي ومسيرة العمل العربي المشترك، رأى فهمي أن أحد أبرز أسباب تقدم التجربة الأوروبية يتمثل في قدرة دولها على بناء إمكاناتها الذاتية، بالتوازي مع استمرار شراكاتها الدولية.
وأوضح أن الدول العربية اعتمدت في مراحل مختلفة بصورة مفرطة على أطراف خارجية في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد، الأمر الذي أثر في قدرتها على تطوير أدواتها الذاتية وتعزيز استقلال قرارها.
وأكد أن المطلوب ليس الانعزال عن العالم، وإنما تحقيق التوازن بين التعاون الدولي وبناء القدرات العربية الذاتية، بما يعزز استقلال القرار الوطني ويحد من تأثير التحولات في سياسات القوى الكبرى.
أجندة عربية بثلاثة محاور
وكشف فهمي عن توجهه لإطلاق أجندة عربية متجددة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، هي التصدي للأزمات، وتطوير منظومة العمل العربي المشترك، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أن المحور الأول يركز على التعامل مع الأزمات السياسية والأمنية القائمة، فيما يستهدف الثاني تطوير المؤسسات والآليات العربية، بما فيها جامعة الدول العربية، بينما يركز الثالث على توفير فرص التنمية وتحقيق تطلعات الأجيال الجديدة.
ولفت إلى أن نحو 65% من سكان العالم العربي تقل أعمارهم عن 30 عاما، ما يفرض على الحكومات والمؤسسات العربية مسؤولية مضاعفة لتوفير مستقبل أفضل وفرص اقتصادية تتناسب مع طموحات الشباب.
وشدد على أن تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وتعزيز القدرات الذاتية للدول العربية يمثلان شرطين أساسيين لحماية استقلال القرار السيادي، محذرا من أن الاعتماد المفرط على الخارج في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية يؤدي إلى تقليص هامش القرار الوطني.
من الإدانة إلى المبادرات العملية
وفي رده على الانتقادات المتعلقة باكتفاء الجامعة العربية بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار، أكد فهمي أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى العمل المؤسسي والمبادرات العملية، واستعادة مصداقية منظومة العمل العربي المشترك.
وأوضح أنه طرح منذ توليه منصبه ضرورة تطوير أدوات الأمن القومي العربي وتعزيز القدرة على الردع الجماعي، إلى جانب تحديث آليات العمل السياسي والاقتصادي والتنموي.
وأضاف أنه سيعمل على بلورة التفاصيل التنفيذية للأجندة الجديدة خلال الفترة الممتدة من سبتمبر إلى مارس المقبل، تمهيدا للتشاور بشأنها مع الدول الأعضاء ووضع برامج للتنفيذ التدريجي قد تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، وفقا لطبيعة كل ملف.
وأكد أنه لا يقدم وعودا بحلول فورية للأزمات العربية، وإنما يطرح رؤية وأهدافا وآليات قابلة للتطوير والتنفيذ، مشددا على أن نجاح العمل العربي يتطلب المبادرة والتخطيط للمستقبل وتوفير الأدوات اللازمة للتحرك.
واختتم فهمي تصريحاته بالتأكيد على أن اختياره بالإجماع لمنصب الأمين العام يمثل شرفا ومسؤولية كبيرة، وأنه سيعمل بالتشاور مع الدول الأعضاء على تعزيز فاعلية الجامعة العربية واستعادة الثقة بالعمل العربي المشترك، انطلاقا من الالتزام بحماية المصالح العربية واحترام القانون الدولي.