- الآثار المترتبة على العنف الجسدي سواء على الفرد أو على المجتمع شرحتها السنة وأوصى بها مفكرو المنظور الاجتماعي
أكد د.راشد حمدان العازمي أن السنة النبوية عالجت أسباب وعوامل العنف الجسدي كأيديولوجيات الثقافة العنيفة والتنشئة الاجتماعية الخاطئة وكيفية التعامل مع ضغوط الحياة الاجتماعية.
ولفت إلى أن السنة النبوية بينت الآثار المترتبة على العنف الجسدي سواء على شخصية الفرد أو على المجتمع وتحدث عنها بالتفصيل وأوصى بضرورة عمل دورات تدريبية للعاملين في المؤسسات الاجتماعية والإصلاحية لتثقيفهم بما ورد عن الكيفية التي تناولت بها السنة النبوية موضوع العنف الجسدي، وإلى نص الحوار:
في البداية هل تعرف لنا مفهوم العنف الجسدي بين السنة النبوية والمنظور الاجتماعي؟٭ عند النظر إلى مفهوم العنف من المنظور الاجتماعي نجد أنه تركز حول العنف في الإطار الأسري، فهو كل ضرر بدني أو نفسي يمارسه الرجل ضد المرأة أو الأطفال ويتضمن الانتهاك وسوء المعاملة.
ويشمل العنف في علم الاجتماع كل أشكال العنف داخل العائلة بما فيها الشتم والسب والاستهزاء والتسخيف والتحقير والتهديد والتلويح بالقوة والحرمان والتجاهل والإنكار وإظهار عدم الاحترام ويشمل كذلك العنف الجسدي كالضرب والإيذاء، والعنف غير المباشر كالحجر على القرارات والآراء.
وما أسبابه
٭ تتعدد الدوافع والأسباب المؤدية إلى العنف الجسدي، منها التنشئة الاجتماعية من خلال الأساليب التي يتبعها الآباء في التعامل مع أبنائهم في مختلف المراحل العمرية والتي تنعكس على قيمهم واتجاهاتهم بل تتعدى ذلك الى التأثير في شخصيتهم وسلوكهم ودوافعهم، فالأشخاص الذين يتعرضون لأساليب تنشئة غير سوية كالتسلط والإهمال والضرب اثناء فترة الطفولة هم اكثر ميلا لاستخدام تلك الاساليب، فالطفل الذي يتعرض للعنف الجسدي يميل الى استخدامه في مراحل عمرية اخرى.
وبالنظر الى السنة النبوية نجد انها تؤكد الاهمية العملية للأبوين وتأثيرهما الكبير في عملية التنشئة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على الابتعاد عن جميع صور العنف في تعامله وذلك فيما جاء من حديث أنس رضي الله عنه، قال: «خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف ولا لم صنعت ولا ألا صنعت».
ولماذا يعد الفقر من أسباب العنف الجسدي في المجتمعات؟
٭ الفقر إذا كان قديما ومتأصلا في المجتمع ستصاحبه ثقافته، والخطورة أن هذه الثقافة قد ترافقها مفاهيم العنف التي توحي لمعتنقها انه وسيلة ناجعة لحل المشكلات وأن حاجة الأفراد الملحة وشعورهم بالجوع والحرمان يمكن ان يكون دافعا قويا للعنف لعدة اسباب منها، ان فقد الانسان الحاجات البيولوجية الاساسية يعطل لديه التفكير الواعي المتزن مما يدفعه لعمل اي شيء لسد ذلك النقص وقد تكون وسيلة العنف اولها، كذلك الشعور بالحرمان يولد الشعور بالظلم والنقمة على المجتمع مما يكون سببا في العنف، وايضا الاعتقاد بأنه له الحق في نيل ما يريد بطريقته الخاصة لأن الدول والمجتمع لا يقومان بتلبية حقوقه ومطالبه.
وكذلك تعتبر ثقافة العنف من الأفكار والمعتقدات والقيم والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، فالعنف الجسدي يكسب شرعيته الاجتماعية من تلك القيم الثقافية التي تبيح استخدامه، حيث يتطلب من الرجل قدرا من الرجولة في قيادة اسرته، كما يظن، حيث يستخدم العنف بداعي فرض السمع والطاعة لأولياء الامور او الزوج او طاعة الصغير للكبير، وهذا يفسر تقبل العديد من الآباء مفهوم ضرب الأبناء والزوجات والخدم فالدافع مصدره ثقافي اجتماعي ينقل من جيل الى آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تضربوا إماء الله» وقد كانت الثقافة الحدية وهي استخدام العنف في تأديب الازواج لزوجاتهم، فمنع النبي صلى الله عليه وسلم الضرب المبرح وغير المبرح فتجرأت النساء على ازواجهن فرخص النبي صلى الله عليه وسلم بالضرب وقيد الضرب بالضرب الجائز غير المبرح وهو المؤثر ومعناه بالسواك وما في معناه ولا يفعله الاخيار لأن هذا ليس من الخلق السني ولا من الادب.
قال النبي صلى الله عليه وسلم «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»
ما هي الآثار المترتبة على العنف الجسدي في السنة النبوية ومن المنظور الاجتماعي؟
٭ نجد في السنة النبوية انه جاء عن عبدالله بن زمعة قال: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ، عَارِمٌ، مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ، مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ.
ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَوَعَظَ فِيهِنَّ، ثُمَّ قَالَ: إِلَامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، وَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ؟
وهذا دال على ان علة النهي ان ذلك لا يستحسنه العقلاء في مجرى العادات لأن الجماع والمضاجعة إنما تليق مع ميل نفسي والرغبة في العشرة، والمجلود غالبا ينفر ممن جلده بخلاف التأديب المستحسن فإنه لا ينفر الطباع ولا ريب ان عدم الضرب والسماحة اشرف من ذلك كما هي اخلاق النبي صلى الله عليه وسلم. اما اثار العنف على المجتمع فالعنف يسهم في ارتفاع مستويات التفكك الاسري ويزيد من الطلاق وجنوح الأبناء وهروب الفتيات واضطراب العلاقة بين الزوجين والأبناء والانطوائية والعدوانية والتي من شأنها الاسهام في عدم قدرة الافراد على استيعاب الادوار الاجتماعية وضعف الايمان بالقيم الدينية والثقافية التي تحاول مؤسسات المجتمع نبذ العنف من خلالها.
وما هو موقع النظريات الاجتماعية المفسرة للعنف الجسدي في ميزان السنة النبوية؟
٭ تتوافق كل من نظرية التعلم الاجتماعي ونظرية الثقافة الفرعية في تفسيرها للعنف الجسدي مع ما جاء من السنة النبوية من حيث نبذ اساليب التعلم العنيفة والقضاء على الثقافات الفرعية الداعية للعنف الجسدي، فقد حددت النظرية اهم مصادر السلوك العنيف في المجتمع الحديث ومنها: تأثير الأسرة ومنها الاقتداء بالنموذج المقتدى به عبارة عن شخصية رمزية ومثال ذلك وجود سلوكيات عنيفة في وسائل الاعلام او عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي.
هل هناك توافق فيما جاءت به النظرية الصراعية في تفسيرها للعنف الجسدي وبين ما جاءت به السنة النبوية؟
٭ هناك عدم توافق فيما جاءت به النظرية الصراعية في تفسيرها للعنف الجسدي بناء على السيطرة والظلم في توزيع السلطة والكيفية المقترحة للحد منه وما جاءت به السنة النبوية المراعية للعدل والداعية للتعاون وللتضامن الاجتماعي فجاءت الشريعة الاسلامية للقضاء على جميع اشكال الصراع المجتمعية بل تتعدى ذلك في نبذ التنافس الذي يعد المرحلة الأولى للصراع الا من الاعمال الاخروية (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) فالعملية الاجتماعية القائمة على التعاون والتضامن هي اساس التفاعل وبناء العلاقات في الشريعة الاسلامية. وقد عالج الرسول صلى الله عليه وسلم العنف القائم على الصراع بين الازواج من خلال نبذ الضرب.
بماذا توصي لعلاج مشكلة العنف الجسدي في المجتمع الكويتي؟
٭ بأن يطبق كل ما جاء في السنة النبوية من حلول مطروحة لمعالجة مشكلة العنف الجسدي كقضية اجتماعية معاصرة في المجتمع الكويتي، وأيضا ضرورة عمل دورات تدريبية للعاملين في المؤسسات الاجتماعية والإصلاحية لتثقيفهم بما ورد عن الكيفية التي تناولت بها السنة النبوية موضوع العنف الجسدي، وأوصي بتثقيف الاسر وأولياء الامور حول سنة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع العنف الجسدي من خلال الخطب والمحاضرات واللقاءات التنويرية وإجراء بعض الدراسات المتعلقة بالمشكلات الاجتماعية والنفسية المعاصرة كالتنمر والعزلة الاجتماعية والانحرافات السلوكية في ضوء ما جاءت به السنة النبوية الداعية للتعاون والعدل والتضامن الاجتماعي.