Note: English translation is not 100% accurate
هل «الإيداعات المليونية» لنواب مجلس الأمة تشكل جريمة غسيل أموال؟
23 ديسمبر 2011
المصدر : الأنباء

بقلم: المحامي أحمد عبد اللطيف الرويح
«جريمة غسيل الأموال من الجرائم الاقتصادية الحديثة التي ترتبط عادة بالجريمة المنظمة، لاسيما جرائم المخدرات والارهاب والفساد السياسي والرشوة وغيرها من الجرائم، ومن ثم فانها كذلك جريمة أخلاقية.
وفي هذا المقال المبسط نتناول جوانب هذا الموضوع، فنعرف جريمة غسيل الأموال، ونبين الحقائق المتصلة بها، وطبيعة هذه الجريمة واثباتها، ومن الذي يقع عليه عبء الاثبات والقواعد الأصولية المتصلة بالاثبات، وأخيرا نجيب عن سؤالين مهمين:
الأول: هل الايداعات التي أطلق عليها مليونية في حساب بعض نواب مجلس الأمة، هل هذه الايداعات بذاتها تشكل جريمة غسيل أموال؟
الثاني: هل يحق للبنك المركزي أو الوزير أو أي جهة تنفيذية اصدار قرارات في مجال مسائل التجريم والاثبات في المواد الجزائية؟
ونتناول ذلك في ثلاث مسائل:
الأولى: تعريف جريمة غسيل الأموال والحقائق المتصلة بها، وقواعد وأصول الاثبات فيها.
الثانية: جريمة غسيل الأموال وما أطلق عليه الايداعات المليونية لبعض نواب مجلس الأمة.
ونقوم بذلك على النحو التالي:
«المسألة الأولى»: ما جريمة غسيل الأموال والقواعد والأحكام المنظمة لها؟
يقصد بجريمة غسيل الأموال: «كل سلوك غير مشروع يهدف الى اكتساب أموال أو حيازتها أو التصرف فيها أو ادارتها أو حفظها أو استبدالها أو ايداعها أو ضمانها أو استثمارها أو نقلها أو تحويلها أو التلاعب في قيمتها اذا كانت متحصلة من جريمة مع العلم بذلك، متى كان القصد من هذا السلوك اخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحبه أو صاحب الحق فيه، أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل الى شخص من ارتكب الجريمة المتحصل منها المال».
والتزاما بحدود ما ورد في هذا التعريف وفي نطاقه نوضح بعض الأمور المهمة:
أولا: أهم الحقائق المتصلة بجريمة غسيل الأموال كما تستفاد من التعريف:
نستخلص من التعريف السابق أهم الحقائق التي تتصل بجريمة غسيل الأموال حتى يمكن التعرف أكثر على سمات وطبيعة هذه الجريمة، ونساعد على ازالة الخلط بينها وبين ما قد يشبهها من جرائم أخرى، وهذه الحقائق هي:
الحقيقة الأولى: ان جريمة غسيل الأموال هي في الأصل سلوك اجرامي يجرمه القانون، وهو سلوك ايجابي، باعتبار أن جريمة غسيل الأموال جريمة ايجابية لا يتصور أن ترتكب عن طريق موقف سلبي من قبل الجاني، فلا يصدق عليها وصف الجريمة السلبية في الغالب الأعم من الأحوال.
الحقيقة الثانية: ان محل السلوك الاجرامي في جريمة غسيل الأموال هو «الأموال بالمعنى القانوني الذي يتفق مع طبيعة هذه الجريمة»، ومن ثم فان الأموال محل السلوك الاجرامي في هذه الجريمة يقصد بها:
العملة الوطنية.
العملات الأجنبية.
الأوراق المالية.
الأوراق التجارية.
العقار والمنقول المادي والمعنوي ذو القيمة، والحقوق المتعلقة بأي منهما.
الصكوك والمحررات المثبتة لكل أنواع الأموال المتقدمة.
الحقيقة الثالثة: ان وسائل السلوك الاجرامي التي ترتكب بها جريمة غسيل الأموال وغاياتها هي:
اكتساب الأموال محل الجريمة.
حيازة الأموال محل الجريمة.
التصرف في الأموال محل الجريمة.
ادارة الأموال محل الجريمة.
التلاعب في قيمة الأموال محل الجريمة.
استبدال الأموال محل الجريمة.
ايداع الأموال محل الجريمة.
ضمان الأموال محل الجريمة.
استثمار الأموال محل الجريمة.
نقل الأموال محل الجريمة.
تحويل الأموال محل الجريمة.
وتلك هي وسائل السلوك الاجرامي الذي ترتكب به جريمة غسيل الأموال وغاياته، وتعد هذه الوسائل مجرمة اذا توافرت الخصائص والشروط الأخرى التي سوف نحددها.
الحقيقة الرابعة: انه يلزم أن تكون الأموال محل السلوك الاجرامي السابق متحصلة عن جريمة وتلك هي أهم حقيقة من الحقائق المتصلة بجريمة غسيل الأموال، وهذه الحقيقة من أهم ما يميز جريمة غسيل الأموال عن غيرها من الجرائم التي قد تشتبه بها.
فجريمة غسيل الأموال في حقيقة وواقع الأمر تتحقق عندما يسعى الجاني الى اخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال أو عائدات أي جريمة، وهو ما يستوجب ونحن بصدد البحث في توافر أركان جريمة غسيل الأموال أن نتحقق أولا وقبل كل شيء من هذا الأمر الأولي، وهو ما يسمى «الشرط المفترض» لقيام الجريمة.
اذن الشرط المفترض لقيام جريمة غسيل الأموال، والذي يلزم تحققه والتثبت من وجوده أولا قبل البحث في أركان جريمة غسيل الأموال هو وجود جريمة سابقة على جريمة غسيل الأموال، وأن الجاني قد تحصل من هذه الجريمة السابقة على الأموال محل جريمة غسيل الأموال، وهي ما تمثل العائدات غير المشروعة التي يريد الجاني اخفاءها.
الكيان القانوني لجريمة غسيل الأموال:
ان جريمة غسيل الأموال وفي ضوء ما تقدم تتكون في حقيقة وواقع الأمر من جريمتين متلازمتين ومترابطتين غير منفصلتين وهما:
الجريمة الأولى: وتسمى الجريمة المتبوعة، وهي جريمة سابقة في الوجود على جريمة غسيل الأموال، وتمثل السبب القانوني والواقعي لوجودها، ولولا هذه الجريمة الأولى أو المتبوعة ما تحققت جريمة غسيل الأموال قانونا، ولذلك ففي مجال التحقق من توافر أركان جريمة غسيل الأموال وثبوتها في حق الجاني، يلزم أولا التحقق من توافر الجريمة الأولى ـ الشرط المفترض ـ وثبوتها في حق ذلك المتهم، ثم بعد ذلك وفي خطوة ثانية يصار الى التحقق من توافر أركان جريمة غسيل الأموال الأخرى خلاف الركن أو الشروط المفترض، وذلك في حالة ثبوت أو توافر تلك الجريمة المفترضة.
أمثلة للجريمة الأولى «المتبوعة» باعتبارها الشرط المفترض لجريمة غسيل الأموال:
يمكن أن يتحصل الجاني على الأموال محل جريمة غسيل الأموال، عن طريق أي جريمة من الجرائم الآتية:
1 - جرائم الرشوة واستغلال النفوذ، وهي من الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة ـ وما في حكمها ـ وذلك وفقا لأحكام القانون رقم 31 لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 في المادة (35) وما بعدها من هذا القانون.
2 - جرائم الاعتداء على الأموال العامة وفق أحكام القانون رقم 1 لسنة 1993 بشأن حماية الأموال العامة.
3 - جرائم زراعة وتصنيع النباتات والجواهر والمواد المخدرة وجلبها وتصديرها والاتجار فيها.
4 - جرائـــــم الارهــــاب وتمويله.
5 - جرائم استيراد الأسلحة والذخائر والمفرقعات والاتجار فيها وصنعها بغير ترخيص.
6 - جرائم سرقة الأموال واغتصابها.
7 - جرائـــم الفـجــــور والدعارة.
8 -الجرائم الواقعة على الآثار.
9 - الجرائم البيئية المتعلقة بالمــــواد والنفايات الخطرة.
10 - الجرائم المنظمة التي يشار اليها في الاتفاقيات الدولية، التي تكون الكويت طرفا فيها.
تلك هي مجرد أمثلة للجرائم التي يمكن أن يرتكبها الجاني ويتحصل منها بأي شكل على أموال هي بالطبع غير مشروعة وهي في الوقت ذاته تكون محل جريمة غسيل الأموال.
الجريمة الثانية: وتسمى الجريمة التابعة، وهي جريمة غسيل الأموال ذاتها، وهي تسمى «تابعة» لأنها تتبع الجريمة الأولى التي هي في الوقت ذاته شرط مفترض لوجودها كما سلف البيان.
الحقيقة الخامسة: أن يكون الجاني وهو يأتي السلوك السابق في أي صورة من صوره عالما بأن الأموال التي تحصل عليها أو له علاقة بها انما هي متحصلة عن جريمة، وبتوافر شرط العلم لدى الجاني يتوافر القصد الجنائي باعتباره الركن المعنوي لجريمة غسيل الأموال، فتقوم الجريمة في حقه.
الحقيقة السادسة: ان يكون سلوك الجاني أيا كانت وسيلته من بين الوسائل السالف بيانها يقصد منه وعن طريقه اخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحبه أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك، أو عرقلة التوصل الى شخص من ارتكب الجريمة المتحصل منها المال.
فأساس تسمية «غسيل الأموال» مأخوذ من طبيعة السلوك المجرم نفسه المكون لتلك الجريمة، وهو اضفاء طابع المشروعية على أموال هي في الأصل ناتجة من مصدر غير مشروع، حيث يهدف الجاني الى أن يغسل مصدر وآثار تلك الأموال القذرة، وازالتها حتى تخرج تلك الأموال بشكل نظيف خال من آثار تلك المصادر القذرة من الناحية القانونية، ولذلك فان بعض التشريعات تطلق تعبير «تبييض الأموال» على عملية «غسيل الأموال».
المسألة الثانية: لا تقع جريمة غسيل الأموال بمجرد الايداعات المديونية المليونية المنسوبة لبعض النواب السابقين في مجلس الأمة.
ونستظهر ذلك وندلل عليه بالآتي:
أولا: لقد نص المشرع في القانون رقم 35 لسنة 2002 في شأن مكافحة عمليات غسيل الأموال في الفقرتين (4، 6) من المادة (3) منه على أنه:
«يجب على البنوك، وشركات الاستثمار، ومؤسسات وشركات الصرافة، وشركات التأمين وغيرها من المؤسسات المالية والأشخاص الذين يصدر بتحديدهم قرار من وزير المالية، الالتزام بما يلي: 1-....، 2-....، 3-....، 4 الابلاغ عن أية معاملة مالية مشبوهة تصل علمها بها، 5-....، 6- تبني اجراءات العمل ونظم الرقابة الداخلية الملائمة بما يمكنها من اكتشاف أي من تلك العمليات فور وقوعها والحيلولة دون استغلالها لتمرير العمليات المشبوهة..».
وفي ضوء هذا النص، نوضح موقف ما أطلق عليه في وسائل الاعلام: «الايداعات المليونية لبعض نواب مجلس الأمة»، وذلك للتوصل الى الاجابة على السؤال التالي: هل تعتبر هذه الايداعات المليونية جرائم غسيل أموال في كل الأحوال دونما نظر الى أية اعتبارات أخرى؟ وعلى من تقع مسؤولية أو عبء اثبات أن هذه الايداعات ليست جرائم غسيل أموال بالمفهوم القانوني الذي حددناه فيما تقدم؟
اذن، السلطة المخولة للبنك المودع لديه الحساب، بل الواجب عليه اذا تراءى له شبهة في معاملة مالية أن يقوم بالابلاغ عنها، ويكون الابلاغ بالطبع للنيابة العامة.
والبلاغ الذي يقوم به البنك للنيابة العامة كأي بلاغ آخر، لا ينطوي على أي دليل، ولا يستفاد منه وقوع الجريمة حتما، فذلك متروك أولا لسلطة التحقيق ثم بعدها سلطة الحكم.
ثانيا: أن النيابة العامة باعتبارها سلطة الاتهام والتحقيق، تقوم بالتحقيق في الواقعة باعتبارها شبهة، فاذا ترجحت لها هذه الشبهة أحالت صاحب الحساب الى المحاكمة الجزائية بتهمة غسيل الأموال.
والسؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هنا هو: هل صاحب الحساب البنكي ـ النائب مثلا ـ يقع عليه عبء اثبات أن المليون دينار أو عدة الملايين من الدينارات القائمة في حسابه، هي من مصادر مشروعة، ثم يقوم باثبات هذه المصادر، أم انه غير ملزم بذلك؟
نقول، وبمنتهى الثقة، ان صاحب الحساب البنكي غير ملزم بتقديم المصادر التي كان من شأنها المبالغ المترصدة في الحساب، لأنه اذا كانت النيابة العامة – وبناء على بلاغ البنك ـ قد اعتبرت أن وجود مليون أو عدة ملايين من الدينارات في حساب شخص ما هو شبهة أو معاملة مشبوهة قد تكون حلقة من حلقات جريمة غسيل الأموال، فانه ووفقا للقواعد العامة في الاثبات يلزم أن تثبت النيابة العامة ما تدعيه، أي عليها اثبات أن هذه الأموال تتصل بجريمة غسيل أموال، وعليها في هذه الحالة اثبات المصدر غير المشروع ـ الجريمة ـ التي تحصل منها صاحب الحساب على هذا المبلغ.
ثالثا: ان جريمة غسيل الأموال كغيرها من الجرائم من حيث الاثبات لا تخرج عن نطاق ما تقضي به القواعد العامة، والتي سلف بيانها، وخلاصتها أن المتهم ليس مكلفا باثبات براءته باعتبار أن عبء اثبات التهمة يقع على عاتق النيابة العامة.
الخلاصة اذن، أن ما أطلق عليه «الايداعات المليونية» لا تشكل بذاتها جريمة من جرائم غسيل الأموال، ومن ثم فليس النائب الذي يوجد في حسابه مليون دينار أو أكثر مرتكبا لجريمة غسيل الأموال لمجرد وجود هذا المبلغ في حسابه البنكي، والنائب ليس ملزما باثبات المصدر المشروع الذي تحصل منه على هذا المبلغ.
رابعا: ان تكليف النائب الذي ترصد في حسابه البنكي مليون دينار أو أكثر بأن يثبت مصدر هذا المبلغ لاثبات أنه غير متصل بجريمة غسيل أموال، ان القول بذلك فيه خلط بين جريمة غسيل الأموال، وجريمة الكسب غير المشروع أو الجرائم التي تثير تطبيق: «قانون من أين لك هذا؟» في الدول التي تطبق هذا القانون.
ان جريمة غسيل الأموال تختلف من حيث الطبيعة والأركان والقواعد الحاكمة لها عن جريمة الكسب غير المشروع أو استغلال السلطة أو ما شابه ذلك، ففي جريمة الكسب غير المشروع يقدم المتهم بهذه التهمة وتقدم الأدلة ضده بأنه تحصل على الأموال بطريق غير مشروع، وعلى المتهم أن يقدم من الأدلة ما ينفي أدلة الاتهام، والأمر ذاته فيما يتعلق بجرائم قانون من أين لك هذا.
أما جريمة غسيل الأموال، فان وجود المال في ذاته أيا كانت قيمته ليس دليلا على توافر أركان هذه الجريمة وثبوتها ضد الجاني، ومن ثم فلا يصح أن يطلب منه أن يقدم من الأدلة ما يؤكد أنه لم يرتكب هذه الجريمة، طالما لم تقدم النيابة العامة أدلة الثبوت، أي ثبوت توافر أركان الجريمة ومنها ثبوت الركن المفترض، وثبوت الركن المادي، والركن المعنوي لجريمة غسيل الأموال، وذلك على النحو السالف بيانه.
ولكل ما تقدم، فاننا نرى أن كثيرا من البلاغات المقدمة الى بعض نواب مجلس الأمة بشأن الايداعات المليونية، أنها يعوزها الدليل المؤيد أو المثبت لوجود جريمة غسيل أموال، واذا ظل الحال على ذلك، فلا جريمة، وسوف يقضى ببراءتهم من هذه الاتهامات غير القائمة على أدلة قانونية معتبرة.
ان القضاء ليس مصدرا لقانون الجزاء، ومن ثم فلا يجوز للقاضي أن ينشئ جريمة أو عقوبة لم ينص عليها القانون، فدور القاضي في المسائل الجزائية مقيد بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الشهير، ومن هنا لا يمكن أن يعتبر القاضي مجرد وجود مليون أو أكثر في حساب شخص، جريمة غسيل أموال لمجرد أن الجاني لم يستطع أن يثبت مصدر هذا المبلغ، في حين أنه غير ملزم بذلك.
ان جريمة غسيل الأموال التي يقدم بها الجاني على هذا النحو، تكون غير مكتملة الأركان، وخاصة الركن المفترض، ومن ثم فان الواقعة على النحو المتقدم لا تتوافر لها المقومات القانونية للجريمة المسندة الى المتهم، وهو ما يستوجب حتما القضاء ببراءته من هذه التهمة.
«المسألة الثالثة»: لا يجوز سواء للبنك المركزي، أو أي جهة في السلطة التنفيذية، أن تشرع في مجال التجريم والعقاب والاثبات الجنائي:
أولا: لقد حدد المشرع في المادة «1» من القانون رقم 35 لسنة 2002 في شأن مكافحة غسيل الأموال «النموذج القانوني لجريمة غسيل الأموال»، ومن المقرر أنه يجب على القاضي الجنائي الالتزام بهذا النموذج بكل أركانه وعناصره، وذلك باعتبار أن المشرع وحده هو المختص بتحديد الأفعال التي تعتبر جرائم وأركان هذه الجرائم وعقوباتها، وكل ما للقاضي في هذا الشأن هو تطبيق ما يضعه المشرع من نصوص، وهذا هو تحديدا ما نصت عليه المادة الأولى من قانون الجزاء بقولها: «لا يعد الفعل جريمة، ولا يجوز توقيع عقوبة من أجله الا بناء على نص في القانون».
ولقد حدد المشرع في نص المادة «1» السالفة الذكر أركان جريمة غسيل الأموال ومن بين هذه الأركان المصدر غير المشروع للأموال محل الجريمة، بأن تكون متحصلة عن جريمة.
واذا تخلف هذا الركن في الواقعة، فانها لا تعد جريمة، لأنه بتخلف الركن الخاص بعدم مشروعية مصدر الأموال تتخلف الجريمة ذاتها ولا تقوم في حق المتهم المسندة اليه.
ولا يجوز للبنك المركزي عن طريق اصدار قرار أو تعليمات المساس بهذا الركن الجوهري من أركان جريمة غسيل الأموال لا بالتغاضي عنه كلية، ولا بزعزعة شأنه ومكانته في البنيان القانوني للجريمة، كما لا يجوز لأي وزير أو أي جهة في السلطة التنفيذية اعتبار أن ذلك يتعلق بمسألة من مسائل التجريم ومصادره وهذه المسائل لا تنظم الا بقانون ولا يجوز أن تنظم بقرار اداري أيا كان مصدر هذا القرار.
وتطبيقا لذلك، فلا جريمة في فعل أو سلوك لا تتوافر فيه الأركان والشروط التي حددها نص القانون حتى ولو خالف العرف أو مبادئ القانون الطبيعي أو قواعد العدالة.
(يراجع: د.محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم العام، طبعة 1989 ص84).
ثانيا: انه وفضلا عن أن البنك المركزي أو الوزير أو أي جهة في السلطة التنفيذية لا يجوز لها أن تصدر قرارا ينص على حذف ركن من أركان جريمة أو بالتغاضي عن بعض الشروط اللازم توافرها لتحقق هذا الركن، فانه لا يجوز كذلك لأي من هؤلاء أن يصدر قرارا يتعلق بمسألة اثبات أركان الجريمة، وذلك بأن يقرر مثلا افتراض ركن من أركانها وعدم خضوعه لعملية الاثبات وفقا للقواعد العامة المقررة قانونا في هذا الشأن.
ويلزم توجيه الانتباه هنا الى أن المشرع نفسه لا يجوز له أن يصدر قانونا يكون من شأنه افتراض ركن من أركان الجريمة أو عدم التزام النيابة العامة باثباته، لأنه لو صدر مثل هذا القانون، فانه يكون مخالفا للدستور (غير دستوري)، وذلك لمخالفته نص المادة «134» من دستور دولة الكويت التي تنص على أن: «المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لحق الدفاع»، وان مقتضى هذا النص ـ وترتيبا على مبدأ «الأصل في الانسان البراءة» ـ فان المتهم ليس ملزما بايراد الأدلة على براءته، لأن ذلك الالتزام يقع على عاتق النيابة العامة، ومن ثم فان النيابة العامة ملتزمة قانونا - وبموجب النص الدستوري السابق - أن تثبت كل أركان الجريمة المسندة الى المتهم، ولا يستثنى من ذلك أي ركن منها، وقد سبق لنا بيان ذلك بالتفصيل.
«في هذا المعنى على سبيل المثال: الطعن رقم 6 لسنة 2007 دستورية جلسة 22/4/2008م، والطعن رقم 2 لسنة 2005 دستورية جلسة 22/6/2005».
ثالثا: الخلاصة اذن، أن وجود جريمة أولى سابقة على الفعل المادي الذي يتألف من الركن المادي لجريمة غسيل الأموال ـ أو المصدر غير المشروع للمال – هو ركن من أركان هذه الجريمة، وفي هذا الصدد نؤكد على أمرين:
الأمر الأول: أنه يلزم اثبات توافر هذا الركن، أي اثبات وجود جريمة سابقة تحصل منها المتهم على المال، وهي تمثل المصدر غير المشروع للمال.
والأمر الثاني: أن النيابة العامة هي الملتزمة بموجب أحكام الدستور والقانون باثبات هذا الركن، وليس المتهم، وأنه لا يجوز لقرار اداري ولا لقانون أن يغير من هذه القواعد أو الأحكام بأن ينقل عبء الاثبات على المتهم، فالقرار الذي يصدر في هذا الشأن يكون غير مشروع، والقانون الذي يقرر ذلك يكون غير دستوري.
«ومن قبيل ذلك ما قضت به المحكمة الدستورية في الطعن رقم 2 لسنة 2005 دستورية في جلسة 22/6/2005م بعدم دستورية البند رقم (12) من المادة 143 من قانون الجمارك الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي لكونه كان يجعل صورة من صور التهريب الجمركي تقوم على الافتراض، دون أن تقوم النيابة العامة باثبات أركان هذه الصورة من صور الجريمة».
ان بعض الناس، منهم من لا يفهم القانون، ومنهم من يفهمه ولكنه سيئ النية، تعمدوا اثارة الرأي العام ضد بعض النواب ممن أطلقوا عليهم «القبيضة»، ولقد سخروا كل وسائل الاعلام لترويج هذا الفهم المغلوط مع العلم بأن مجرد اطلاق هذه التسمية «القبيضة» على بعض نواب مجلس الأمة فيه اتهام بالرشوة.. واستغلال النفوذ.. والتربح.. اضرارا بالمال العام وعلى حساب المصلحة العامة، وهذا الاتهام لا يقوم على أي أساس قانوني، خاصة أن كل هؤلاء النواب الذين توجه اليهم هذه التهمة من البعض هم في حكم القانون برآء اذ لم يصدق عليهم حتى وصف «متهمين».
وحتى لو لحق بهم هذا الوصف، فان المتهم بريء حتى تثبت ادانته بحكم نهائي، فضلا عن أن من يوجه هذه التهمة المشينة والخطيرة، هم من آحاد الناس وليسوا أحد أعضاء سواء سلطة الاستدلال أو سلطة الاتهام، فهم أفراد عاديون يقع على عاتقهم واجب عدم التشهير بالغير أو المساس بسمعته وكرامته، وهو واجب قانوني عام ليس لأحد الأفراد حصانة تستثنيه من الخضوع لأحكامه أو تحمل تبعاته.
إثبات توافر أركان جريمة غسيل الأموال.. و ما يجب أن تقوم النيابة العامة باثباته في ذلك
انه وفي ضوء التعريف الذي أوردناه لجريمة غسيل الأموال والخصائص العامة للجريمة التي استخلصناها من التعريف، يمكننا القول ان جريمة غسيل الأموال تقوم على أركان ثلاثة، هي:
1 - الركن المفترض: وهو ركن يلزم وجوده قبل وجود الجريمة ذاتها، فوجود الجريمة مرتبط بوجود هذا الركن، بحيث اذا انتفى أو تخلف الركن المفترض انتفى أو تخلف معه وجود الجريمة من الأساس.
وقلنا فيما تقدم، ان الركن المفترض لجريمة غسيل هو ارتكاب جريمة سابقة، وبحيث تكون هذه الجريمة هي المصدر الذي تحصل منه الجاني على الأموال محل الجريمة موضوع البحث.
2 - الركن المادي: وهو السلوك الايجابي المجرم بوسائله المتعددة التي أوردناها في تعريف جريمة غسيل الأموال، وقد شرحنا هذا السلوك وبينا قواعده وأحكامه في الحقائق التي استخلصناها من التعريف، وعلى وجه الخصوص الحقائق الأربع الأول.
3 - الركن المعنوي: وهو القصد الجنائي باعتبار أن جريمة غسيل الأموال جريمة عمدية، والقصد الجنائي وفقا لما جرى عليه نص المادة (40) من قانون الجزاء هو «اتجاه الارادة نحو ارتكاب الفعل المكون للجريمة، والى احداث النتيجة التي يعاقب عليها القانون في هذه الجريمة».
وفي خصوص القصد الجنائي في جريمة غسيل الأموال، يلزم أن يعلم الجاني أن الأموال محل السلوك الاجرامي، متحصلة من جريمة، ومن ثم فلا يتصور وقوع جريمة غسيل الأموال عن طريق الخطأ.
محل وعبء الاثبات في مجال جرائم غسيل الأموال:
أولا: محل الاثبات في مجال جرائم غسيل الأموال:
1 - الركن المفترض «الجريمة السابقة».
2 - الركن المادي أو السلوك الاجرامي بكل وسائله.
3 - الركن المعنوي «القصد الجنائي».
اذ يجب أن يثبت بدليل قاطع أن الجاني قد ارتكب جريمة قد تحصل منها على الأموال غير المشروعة، ثم بعد ذلك يجب أن يثبت أن الجاني قد ارتكب جريمة غسيل الأموال، بأن يثبت أنه ارتكب الفعل أو السلوك الاجرامي الذي تتألف منه الجريمة، وكذلك اثبات القصد الجنائي أي اثبات أنه كان يعلم أن الأموال التي يتعامل فيها هي متحصلة عن جريمة كما سلف البيان.
ولابد أن يثبت كل ركن من الأركان السابقة، بدليل يقيني، ولا يجوز الافتراض في مجال الاثبات، وفي تقرير ذلك قضت محكمة التمييز بأنه:
«لما كان من المقرر في التشريعات الجنائية الحديثة أن الانسان لا يسأل بصفته فاعلا أو شريكا الا عما يكون لنشاطه دخل في وقوعه من الأعمال التي نص القانون على تجريمها، سواء أكان ذلك بالقيام بالفعل أو الامتناع الذي يلزمه القانون، ولا مجال للمسؤولية المفترضة في العقاب..».
«الطعن رقم 135 لسنة 1978 تمييز جزائي، جلسة 18/12/1978م»
ثانيا: عبء اثبات أركان جريمة غسيل الأموال وتوافرها في حق المتهم: يتصل ببيان على من يقع عبء اثبات جريمة غسيل الأموال واتصال الجاني بها، ايراد قاعدتين مهمتين تمثلان أصلين أساسيين من أصول الاثبات في المواد الجزائية، والقاعدتان هما:
1 - قاعدة «الأصل في الانسان البراءة».
2 - قاعدة «أن النيابة العامة مكلفة باثبات الاتهام الذي تسنده الى المتهم».
ونتكلم عن القاعدتين بشيء من التفصيل الذي يقتضيه المقام ويسمح به المجال:
أولا: قاعدة «الأصل في الإنسان البراءة:
من الثابت يقينا أن الانسان يولد بريئا، وهذا هو الأصل فيه، ويستمر هذا الأصل مصاحبا له على الدوام، ولا ينقض أو ينتقص الا بالحكم القضائي اليقيني بالادانة عن فعل يجرمه القانون.
وفي بيان طبيعة وتبعات وآثار هذا المبدأ، قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بأنه:
«وأصل البراءة يعد قاعدة أساسية أقرتها الشرائع جميعها لا لتكفل بموجبها حماية المذنبين، وانما لتدرأ بمقتضاها العقوبة عن الفرد اذا كانت التهمة الموجهة اليه قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم لها، ذلك أن الاتهام الجنائي لا يزحزح أصل البراءة الذي يلازم الفرد دوما ولا يزايله سواء في مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثناءها أو على امتداد حلقاتها، وأيا كان الزمن الذي تستغرقه اجراءاتها، ولا سبيل لدحضه بغير الأدلة التي تبلغ قوتها الاقناعية مبلغ الجزم واليقين، بما لا يدع مجالا معقولا لشبهة انتفاء التهمة، ويشترط أن تكون دلالتها قد استقرت حقيقتها بحكم قضائي استنفد طرق الطعن فيه، . ويؤسس افتراض البراءة على الفطرة التي جبل الانسان عليها، فقد ولد حرا مبرأً من الخطيئة أو المعصية، ويفترض على امتداد مراحل حياته أن أصل البراءة مازال كامنا فيه مصاحبا فيما يأتيه من أفعال الى أن تنقض المحكمة بقضاء جازم لا رجعة فيه هذا الافتراض، وأصل البراءة يعكس قاعدة مبدئية تعتبر في ذاتها مستعصية على الجدل واضحة وضوح الحقيقة ذاتها تقتضيها الشرعية الاجرائية، ويعتبر انفاذها مفترضا أوليا لادارة العدالة الجنائية».
«قضاء المحكمة الدستورية العليا، القضية رقم 13 لسنة 12 قضائية صفحات 5، 6، 7 المجلد الرابع، وكذلك يراجع د.كمال عبدالواحد الجوهري، تأسيس الاقتناع القضائي والمحاكمة الجنائية العادلة ص27 وما بعدها».
ثانيا: قاعدة «التزام النيابة العامة أو سلطة الاتهام بوجه عام باثبات الاتهام الذي تسنده الى المتهم»:
ان قاعدة أصل البراءة السالف بيانها تنعكس حتما على قواعد معاملة المتهم، وعلى وجه الخصوص في مرحلة المحاكمة الجزائية باعتبارها مرحلة الحسم في الدعوى الجزائية.
وهناك نتيجتان مهمتان لقاعدة الأصل في المتهم البراءة، والنتيجتان هما:
النتيجة الأولى: ان واجب النيابة العامة يقتضي اثبات التهمة ضد المتهم، فمن الثابت يقينا أن النيابة العامة ملزمة ـ باعتبارها المدعية نيابة عن المجتمع في الدعوى العمومية – بأن تقيم الدليل على صحة التهمة التي تنسبها للمتهم، وبالبناء على ذلك، فانه يتعين عليها ان تقيم الأدلة على ارتكاب المتهم تلك الجريمة،
ويلزم أن تقوم النيابة العامة باثبات كل أركان الجريمة كما حددها القانون المحال به المتهم للمحاكمة، وفي هذا الصدد لا يغني اثبات ركن في الجريمة عن اثبات ركن آخر».
(يراجع: د.كمال عبدالواحد الجوهري في مؤلفه: المستشار القانوني وأعمال المحاماة اليومية ونماذج عملية تطبيقية وفقا لأحكام القانون والقضاء الكويتي، الكتاب الثالث، ص88).
«وبالبناء على ما تقدم، حكم بعدم توافر القصد الجنائي في جريمة جلب الجوهر المخدر بمجرد تحقق الحيازة المادية، بل يتعين قيام الدليل على علم الجاني».
(نقض جنائي 20/11/1984 مجموعة أحكام النقض المصري، س35 ص786).
فالنيابة العامة ـ كممثلة للمجتمع المصري في اظهار الحقيقة ـ يجوز لها بل انه يتعين عليها أن تقدم من الأدلة ما قد يفيد منه المتهم ما دام قد بان لها ذلك، فهي لا تسعى الى ادانته بأية صورة بل واجبها ينحصر أساسا في كشف الحقيقة – ايجابا أو سلبا – ويعتبر مخالفا لوظيفتها الاقتصار عند حد جمع الأدلة ضد المتهم والاحجام عن تقديم ما يفيده ان كان له وجه.
(يراجع: د.أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الاجراءات الجنائية طبعة 1993 ص 767، ود.كمال عبدالواحد الجوهري، المرجع السابق، ص88).
ولا شك أن هذا الدور المنوط بالنيابة العامة يقره أصل البراءة الثابت للمتهم يقينا، وهو أصل يحصنه ضد الاتهامات العشوائية، ويحول دون أخذه بمحض الشبهة أو الظن.
النتيجة الثانية: من نتائج أصل البراءة، هي عدم الزام المتهم باثبات براءته، فقاعدة أصل البراءة تستتبع بالضرورة عدم مطالبة المتهم بتقديم أي دليل على براءته، وهذه النتيجة هي الوجه الآخر للنتيجة الأولى التي تقضي بالزام سلطة الاتهام باثبات أركان الجريمة المنسوبة للمتهم، وبالبناء على ذلك فمن حق المتهم أن يقف موقفا سلبيا في مواجهة الاتهام المسند اليه حتى تتوافر أدلة تفيد صحة التهمة، فحينئذ يكون من حق المتهم أن يقدم ما لديه من أدلة تدحضها.
ويقع على عاتق المحكمة مهمة تحقيق كل ما يأتي به المتهم في دفاعه الجوهري تنفيذا للأدلة المقامة ضده، وألا تكون قد أخلت بحق الدفاع، ولا يجوز للمحكمة الاستناد الى مجرد سكوت المتهم في الدفاع عن نفسه أو الامتناع عن الاجابة على ما يوجه اليه من أسئلة في ادانته، لأنه غير ملزم أساسا بذلك، والا ما كان هناك معنى لمبدأ الأصل فيه البراءة».
(يراجع: د.عوض محمد عوض المر، حقوق المتهم وفقا لقضاء المحكمة العليا الأميركية، مجلة العدالة، أو ظبي، العدد 19 أبريل سنة 1979 ص169، نقض جنائي مصري 25/11/1984م س35 رقم 185 ص821).
ما يجب أن تقوم النيابة العامة باثباته في خصوص جريمة غسيل الأموال:
قلنا فيما تقدم، انه يجب على النيابة العامة أن تقوم باثبات كل أركان الجريمة المسندة الى المتهم وذلك بأدلة يقينية، ولا يجوز لها أن تثبت بعض الأركان دون البعض الآخر، كما ذهبت الى ذلك أحكام محكمة النقض.
ووفقا لذلك، وترتيبا عليه، فانه في خصوص جريمة غسيل الأموال، يلزم أن تقوم النيابة العامة باثبات كل أركان الجريمة، وهي كالتالي:
1 - اثبات الركن المفترض، أي اثبات الجريمة الأولى «المتبوعة» التي تحصل المتهم منها على الأموال محل جريمة غسيل الأموال.
2 - اثبات الركن المادي، وهو السلوك الاجرامي والوسيلة التي ارتكب بها من بين الوسائل التي حددها القانون على سبيل الحصر، والتي سبق أن بيناها فيما تقدم.
3 - اثبات الركن المعنوي، وهو القصد الجنائي، وذلك باثبات أن المتهم كان يعلم أن الأموال التي يتعامل فيها متحصلة عن جريمة من الجرائم السالفة البيان.
وعلى أية حال، فان هذا الموضوع ليس بالبساطة التي يؤدي بها الطرح أو العرض النظري، ولكن له فروع وتفاصيل لا يسمح المجال بالخوض فيها في هذا الحديث البسيط.