Note: English translation is not 100% accurate
في دراسة متخصصة أعدتها «الأنباء»: استمرار ندرة الموارد المائية بدول الخليج يشكل تهديداً لمستقبلها التنموي
17 نوفمبر 2012
المصدر : الأنباء

النمو السكاني والتوسع العمراني والتنموي يفاقمان المعضلة المائية في دول المجلس
حروب المستقبل ستكون بسبب الصراع حول الموارد المائية التي أصبحت توصف بـ «النفط الأبيض»محمد البدري
لم تعد المياه متغيرا اقتصاديا أو تنمويا فحسب، بل أصبحت أيضا وبالدرجة الأولى مسألة أمن وطني وضرورة إستراتيجية ملحة، ومتغيرا حاكما في العلاقات الدولية بتفاعلاتها الصراعية والتعاونية على السواء.
وتكتسب قضية الأمن المائي الخليجي الحيوية أهمية متزايدة بالنظر إلى مجموعة من الاعتبارات، وفي مقدمتها:
٭ الاعتبار الأول: يتصل بالتطورات التي أدخلت المياه كمتغير حاكم في العلاقات الدولية في العقود الأخيرة، حيث إنه مع تزايد النمو السكاني والتوسع العمراني والتنموي بدول الخليج، أصبح استمرار ندرة الموارد المائية لدول الخليج يشكل تهديدا إضافيا ومضاعفا لمستقبلها التنموي، ولأمنها الوطني المباشر.
٭ الاعتبار الثاني: يتمثل في الإشكاليات المتعلقة بدول الجوار الإقليمي التي لديها وفرة في الموارد المائية، ومن ثم تمثل أحد الخيارات المتاحة أمام دول مجلس التعاون الخليجي لاستيراد المياه العذبة منها.
وتتجلى هذه الإشكاليات من مصدرين مختلفين، فمن جهة أولى قد تكون هذه الدول المجاورة راغبة لكنها غير قادرة على إمداد دول الخليج باحتياجاتها من المياه ـ في حال اعتمدت الأخيرة هذا الخيار ـ وذلك بسبب الخلافات التي قد تكون بين تلك الدول ونظيراتها التي تتشارك معها الموارد المائية الفائضة، كما هو الحال بالنسبة لتركيا والعراق وسورية التي تتشارك في تقاسم مياه نهر الأناضول.
ومن جهة ثانية، قد تكون هذه الدول المجاورة قادرة على هذا الإمداد، لكنها راغبة في القيام بذلك وفق شروط معينة على النحو الذي يجعل من المياه في هذه الحالة أداة ضغط على دول الخليج بما يمثل قيدا على مرونتها وحرية حركتها السياسية إقليميا وعالميا.
وتمثل إيران المثال الأبرز والأسرع قفزا إلى الأذهان في هذا السياق، حيث كانت قد طرحت قبل سنوات عدة مشاريع لتلبية احتياجات بعض دول مجلس التعاون بالمياه من نهر الكارون.
تعاظم ندرة المياه عالميا
شهدت السنوات القليلة الماضية اهتماما متناميا بقضايا المياه على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، في ضوء المؤشرات الخطيرة التي باتت تؤكدها التقارير والمؤتمرات الدولية بشأن احتمالات حدوث أزمة مياه عالمية خلال السنوات المقبلة، وما يرتبط بها من أزمات أخرى تهدد مستقبل شعوب العالم، حيث باتت قضايا المياه إحدى أهم القضايا المرتبطة بالأمن الوطني للدول، لما لها من انعكاسات على مختلف جوانب النمو الاقتصادي والاجتماعي.
فقد بات الأمن المائي جزءا لا يتجزأ من الأمن العالمي والأمن الإقليمي، وأصبح متغير المياه احدى أهم ركائز الأمن الوطني للدول، وبخاصة تلك التي تعاني أصلا من محدودية أو ندرة الموارد المائية.
وبناء على ذلك، اكتسبت المياه أهمية استثنائية ليس فقط في أدبيات الاقتصاد السياسي، والجغرافيا، بل إنها حجزت مكانة متقدمة في الأدبيات والدراسات الإستراتيجية، حيث تبلور ما يشبه الإجماع بين خبراء الاقتصاد والسياسة والجغرافيا على أن حروب المستقبل ستكون بسبب الصراع حول الموارد المائية أو إن جاز أن نطلق عليها مسمى «النفط الأبيض»، فقد شهدت السنوات الأخيرة تحذير العديد من الهيئات والمنظمات الدولية والمتخصصة من مخاطر اندلاع ما اصطلح على تسميته بـ «حروب المياه» لاسيما في مناطق الندرة المائية.
وتشير بعض التقديرات إلى احتمالات نشوب حوالي 200 نزاع محتمل في شتى أنحاء المعمورة حول المياه في العقد المقبل، قد تتطور إلى صراعات مسلحة.
وتعد غالبية دول منطقة الشرق الأوسط أكثر دول العالم من حيث الإجهاد المائي، حيث يتدنى المتوسط السنوي لنصيب الفرد من المياه في هذه المنطقة إلى حوالي 1200 متر مكعب، وذلك باستثناء كل من العراق وإيران وتركيا ولبنان التي تأتي فوق هذا الحد.
وبالنسبة للوضع المائي في العالم العربي، نجد أن جميع الدول العربية تقع تحت خط الفقر المائي اللهم إلا ثلاث دول فقط تمثل استثناء من ذلك، وهي: العراق، ولبنان، والسودان، وتأتي 13 دولة عربية ضمن قائمة أكثر 20 دولة من حيث ندرة المياه في العالم.
وبوجه عام، فإن نصيب سكان العالم العربي ـ الذين يشكلون نحو 5% من سكان العالم ـ من المياه النقية المتجددة لا يتجاوز الـ 1%، وبالتالي يعاني في الوقت الراهن أكثر من 50 مليون عربي من مشكلة نقص المياه الصالحة للشرب.
واقع الموارد المائية في الخليج
يعتبر مؤشر الفقر المائي التابع للأمم المتحدة أن كل دولة تقل فيها حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة عن 1000 متر مكعب في السنة، فإنها تصنف بين الدول التي تعاني نقصا في المياه.
وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار أكثر من نصف الدول العربية، وبخاصة دول الخليج، من الدول التي تعاني ندرة مائية، حيث تتراوح حصة الفرد فيها من الموارد المتجددة بين 35: 550 مترا مكعبا سنويا.
وكغيرها من البلدان العربية، تعاني دول مجلس التعاون الخليجي الست من معضلة كبيرة فيما يتعلق بتأمين احتياجاتها من المياه العذبة، غير أن معضلة الأمن المائي في دول الخليج تكتسب خصوصية تميزها عن بقية الدول العربية، ذلك أنه إذا كانت المنطقة العربية من المناطق الأفقر في العالم من حيث الموارد المائية المتاحة، فإن الوضع بالنسبة لدول الخليج يبدو أكثر تعقيدا وأشد خطورة، حيث تواجه دول المجلس مشكلة حقيقية في شح موارد المياه.
وتتمثل معضلة الأمن المائي لغالبية الدول العربية في كونها تعتمد في تلبية احتياجاتها المائية على أنهار تنبع من خارج حدودها الإقليمية، حيث تساهم الأنهار التي تنبع من خارج المنطقة العربية بأكثر من 60% من إجمالي الموارد المائية المتاحة عربيا، بكل ما يمثله ذلك من تحديات وربما تهديدات للأمن الوطني لتلك الدول العربية لاسيما في ظل غياب اتفاقيات قانونية واضحة وملزمة تنظم العلاقة بين دول المنبع ودول المصب «العربية»، وتحظى في ذات الوقت بالإجماع والتوافق عليها من قبل جميع الأطراف المعنية.
غير أن الأمر الأكثر خصوصية والأشد خطورة في الوقت ذاته بالنسبة للأمن المائي لدول مجلس التعاون الخليجي، أن هذه الدول تقع في منطقة صحراوية فقيرة مائيا، وخالية من أي نهر، وتعتمد في تلبية احتياجاتها من المياه العذبة ـ بشكل محدود ـ على مياه الأمطار، والمياه الجوفية غير المتجددة، وبشكل شبه كامل على تحلية مياه البحر، وعلى سبيل المثال يبلغ حجم مياه البحر المحلاة في دول مجلس التعاون الخليجي نحو 85.1 مليار متر مكعب، بما نسبته نحو 90% من إجمالي إنتاج المنطقة العربية من المياه المحلاة.
وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة ومحددة عن واقع المياه في دول الخليج، إلا أن جميع التقديرات تجمع على وجود أزمة شح حقيقية في مواردها المائية، حيث يتراوح إجمالي الموارد المائية المتجددة لدول المجلس بين 4 مليارات م3 سنويا وفقا لتقديرات الأمم المتحدة الصادرة في مايو 2002 ونحو 10 مليارات م3 سنويا حسب بعض التقديرات الرسمية، وهي موارد على هيئة أمطار وسيول ومياه جوفية ومياه مختزنة خلف السدود في المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة العربية وبعض مناطق سلطنة عمان، إلا أنها في جميع الأحوال لا تمثل نسبة أكثر من 3% من مجموع الموارد المائية العربية المتجددة.
وتعتمد دول المجلس بصورة شبه كاملة على المياه الجوفية في ظل امتلاكها لمخزون إستراتيجي من الموارد المائية الجوفية يقدر بنحو 361.5 مليار م3 سنويا، حسب الإحصاءات الصادرة عن المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة، وتمثل هذه الكمية نحو 4.6% من إجمالي مخزون المياه الجوفية في البلدان العربية.
وليس أدل على الوضع الحرج للأمن المائي في دول مجلس التعاون الخليجي مما ورد في تقرير صادر عن البنك الدولي، مايو 2011، والذي وصف الوضع المائي في دول التعاون الخليجي بأنه «أكثر تعقيدا وخطورة، إذ تواجه دول المجلس مشكلة حقيقية في شح موارد المياه، حيث إنها في جميع الأحوال لا تمثل نسبة أكثر من 3% من مجموع الموارد المائية العربية المتجددة».
ووفقا للتقرير ذاته، فإن إجمالي الموارد المائية المتجددة لدول المجلس تتراوح بين أربعة مليارات متر مكعب سنويا، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة الصادرة في عام 2010 ونحو عشرة مليارات متر مكعب سنويا، حسب بعض التقديرات الرسمية، وهي موارد على هيئة أمطار وسيول ومياه جوفية ومياه مختزنة.
محددات الأمن المائي الخليجي
تعد ندرة المياه من أهم المشكلات التي تهدد الأمن الخليجي على المستويين الوطني والجماعي، وثمة محددات جغرافية، وديموغرافية ساهمت في وجود وتفاقم أبعاد معضلة الأمن المائي الخليجي، والتي تتمثل في الآتي:
أولا ـ المحددات الجغرافية
تعاني دول مجلس التعاون الخليجي من ندرة موارد المياه العذبة السطحية والجوفية، وذلك بسبب عوامل الموقع والتكوين الجغرافي، حيث تقع دول شبه الجزيرة العربية في مناخ صحراوي شديد الجفاف والتصحر، ومن ثم تعد نسبة المياه المتوافرة من سقوط الأمطار السنوية محدودة جدا وغير منتظمة، ولذلك فالمياه السطحية في دول المجلس تكاد تكون معدومة، كما لا يوجد في الجزيرة العربية أي أنهار دائمة الجريان، فضلا عن أن الكميات التي تمتلكها هذه الدول من مخزونات مائية جوفية، أصبحت في تناقص مستمر بسبب الاستنزاف الكبير لها خلال العقود الثلاثة الماضية، ناهيك عن أنها تكون أيضا في غالب الأحيان عالية الملوحة ومن ثم عديمة الاستخدام.
ثانيا ـ المحددات الديموغرافية
تمثل زيادة الطلب على المياه الناتجة عن تزايد نمو السكان، وسرعة التمدن، والتوسع العمراني أحد أهم محددات الأمن المائي في دول مجلس التعاون، حيث تمتلك دول الخليج واحدا من أسرع معدلات السكان نموا في العالم، فقد أدى النمو السكاني السريع في دول الخليج إلى ارتفاع الطلب على المياه في الفترة ما بين 1992 و2007 بنسبة تجاوزت الـ 50%.
وتشير التوقعات إلى أن عدد سكان دول مجلس التعاون سيصل إلى 53 مليون نسمة بحلول عام 2020، ما يعني أن نسبة توافر المياه ستتراجع إلى النصف مقارنة بما هي عليه في الوقت الحالي.
وهذا النمو السريع ينطوي على تحديات جدية، ويفرض ضغوطا متزايدة في الطلب على المياه في هذه البلدان، بينما يشكل عبئا كبيرا على شبكات المياه لما يستلزمه من ضرورة توفير الاحتياجات المتزايدة للمياه لجميع الاستخدامات المنزلية التي تستنزف نسبة كبيرة من المياه.
ويمكن اعتبار أكثر من نصف الدول العربية، وبخاصة دول الخليج، من الدول التي تعاني ندرة مائية، حيث تتراوح حصة الفرد فيها من الموارد المتجددة بين 35 و 550 مترا مكعبا سنويا.
فوفقا لتقرير لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية فقد زاد استهلاك مياه الشرب للأغراض المنزلية في دول الخليج، من مليار و169 مليون متر مكعب في عام 1985 إلى 3 مليارات و219 مليون متر مكعب في عام 1990، ويتوقع أن يبلغ 8 مليارات و855 مليون متر مكعب بحلول عام 2012.
وبشكل عام، فإن متوسط استهلاك الفرد في منطقة الخليج من المياه يبلغ حوالي 1035 مترا مكعبا سنويا، وإذا ما استمر هذا المعدل من الاستهلاك، فإن دول المجلس ستكون في حاجة إلى ما يقاربر الـ 49 مليار متر مكعب من المياه سنويا بحلول عام 2025.
بالإضافة إلى أنماط الاستهلاك المائي التي تعكس حالة من الإسراف المبالغ فيه باستخدام المياه ـ في ظل تقديم حكومات دول الخليج المياه بأسعار رمزية للسكان ـ لاسيما في الأغراض المنزلية التي تستأثر بنسب تتراوح بين 20 و 55% في دول مجلس التعاون، وسوء الصرف للمياه في القطاعات الصناعية والزراعية، حيث تعتبر معدلات استهلاك المياه في المنطقة من أعلى المعدلات في العالم وفقا لمؤشر الفقر المائي العالمي، ما يعني تصاعد الضغوط على شبكات الصرف الصحي، فضلا عن ارتفاع نسبة الفاقد بسبب ضعف كفاءة استخدام الموارد المائية.
مستقبل الأمن المائي في الخليج
في ضوء اعتبارات الزيادة السكانية المطردة، والتوسع في مشاريع التنمية والعمران، فإن دول مجلس التعاون الخليجي سوف تعاني من عجز مائي شديد في المستقبل، وذلك على الأرجح بين عامي 2020 و2030، مع تفاوت نسبي فيما بينها.
ففي الوقت الذي ترشح فيه المملكة العربية السعودية (نظرا لضخامة قطاعها الغذائي والزراعي)، ودولة الإمارات العربية المتحدة، لتكونا في مقدمة دول المجلس التي ستعاني مائيا، يرجح أن تكون مملكة البحرين هي أقل دول مجلس التعاون معاناة مائيا، بينما تقع كل من الكويت وقطر وسلطنة عمان في موقع وسط بين الفئتين السابقتين، وإن كانت هذه أيضا ستعاني عجزا مائيا بشكل أو بآخر.
وثمة سيناريوهان مستقبليان فيما يتعلق بسبل الحفاظ على الأمن المائي الخليجي خلال العقد المقبل على أقل تقدير، هما: السيناريو الأول: يتمثل في استيراد المياه العذبة من الدول الغنية نسبيا بها لاسيما دول الجوار الجغرافي وفي مقدمتها كل من إيران وتركيا.
ويستند هذا السيناريو إلى ما شهده العقد الأخير من بروز اتجاه عالمي لإقرار مبدأ «بيع المياه دوليا»، من الدول الغنية مائيا إلى تلك التي تعاني ندرة في مواردها المائية.
وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا السيناريو ليس بجديد، حيث سبق أن طرحت على مدى العقود الماضية مشاريع عدة من دول عربية وغير عربية لتلبية احتياجات دول الخليج من المياه العذبة، وكان في مقدمة ذلك مشاريع نقل المياه إلى الخليج من كل من: العراق، وتركيا، وإيران، ولبنان، ومصر، والسودان، وباكستان، وماليزيا، وغيرها.
ويواجه هذا السيناريو مخاطر ومحاذير عدة، يأتي في مقدمتها: العوائق السياسية وما تفرزه من تداعيات خطيرة على عملية نقل المياه من خارج الحدود الدولية، حيث ستصبح بلدان الخليج معتمدة اعتمادا كليا على تلك الدول في تأمين ورود المياه إليها، فضلا عن احتمال تعرض خطوط نقل المياه إلى خطر الهجوم والتخريب المتعمد أثناء تعرض المنطقة لأي هجوم مسلح.
والأهم من ذلك كله، أنه يرهن الإرادة السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي، ويجعل أمنها المائي بأيدي غيرها، مما يشكل أدوات للضغط السياسي عليها مستقبلا.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الاعتماد على تحلية المياه، ويرى البعض أن تحلية مياه البحر تعد أفضل من عملية نقل المياه من الخارج لأسباب كثيرة، منها: اعتمادها على النفط الموجود لدى جميع الدول الخليجية، وإمكانية الاستفادة من هذه العملية في تزويد هذه الدول بكميات كبيرة ورخيصة من الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى إمكانية الاستفادة من مشتقات أخرى في عملية تحلية المياه مثل الملح الذي يمكن تصديره إلى الخارج.
كما أن الاعتماد المستمر على تحلية مياه البحر ـ وهذا هو الأهم ـ سيجعل دول مجلس التعاون الخليجي بعيدة في اتخاذ قرارها السياسي والاقتصادي عن أي ضغوط.
في المقابل، يوجد عدد من العقبات التي من شأنها أن تعترض استمرارية الاعتماد على التحلية كمصدر رئيسي للمياه في دول الخليج، ويتمثل أهمها في ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل، حيث تبلغ كلفة إنشاء محطة التحلية الواحدة بين 200 و 500 مليون دولار، كما أن كلفة إنتاج ونقل المتر المكعب الواحد من المياه المحلاة تفوق عدة مرات نظيرتها من المياه السطحية والجوفية.
واستنادا إلى تكاليف الطاقة الدولية، تقدر كلفة إنتاج المتر المكعب الواحد من المياه العذبة في دول الخليج بما بين 1 و 1.5 دولار، وذلك بالنسبة لمحطات التحلية التي تبلغ قدرتها الإنتاجية حوالي 2000 متر مكعب يوميا، هذا بالإضافة إلى تكاليف الطاقة، والتشغيل، والصيانة.
كما أن الاعتماد المستمر على محطات التحلية يؤدي إلى إرهاق الميزانية العامة لدول الخليج، وإلى حدوث مضاعفات سلبية على النظام البيئي ومصادره الرئيسة كالهواء وتلوث المياه، بالإضافة إلى ضعف إدارة الموارد الأخرى المتمثلة في عدم تطبيق نظام الخصخصة والتسعيرة، وما إلى ذلك.
نحو إستراتيجية خليجية مائية فعالة
في ضوء ما سبق، تبدو هناك ضرورة ملحة وعاجلة لصياغة إستراتيجية خليجية للتعاون الإقليمي المشترك في مجال المياه العذبة من أجل حماية أمنها المائي خلال العقود المقبلة.
ومن الأجدر أن تشتمل هذه الإستراتيجية على عدة عناصر متكاملة، على النحو التالي:
٭ مشاركة القطاع الخاص في دول مجلس التعاون في مشروعات المياه المستقبلية، بما يقتضيه ذلك من النظر إلى المياه كسلعة اقتصادية، الأمر الذي يحتاج إلى التدرج في التطبيق.
وتشمل هذه الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص مجال إدارة وتوزيع وإنتاج المياه، وقد بدأت بعض دول الخليج بالفعل في اتباع هذا الأسلوب، ومنها: السعودية والكويت والبحرين.
٭ تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في نشر الوعي المائي بين مستخدمي المياه بما يحقق الحفاظ على الثروة المائية عن طريق القضاء على الممارسات الخاطئة مثل الإسراف وسوء الاستخدام على أن يترافق مع ذلك سن تشريعات رادعة للحد من هذه الممارسات.
مع ضرورة التوعية بأهمية الاقتصاد في استهلاك المياه من ناحية والتعامل معها كسلعة إستراتيجية لها ثمن مادي في الوقت الحاضر، وقد يكون لها ثمن سياسي وأمني في المستقبل من ناحية أخرى.
٭ تفعيل مشروع الربط المائي الخليجي الذي انطلقت فكرته في نوفمبر عام 2004، ووضع خطوات تنفيذية لتجسيده على أرض الواقع، حيث يعتبر أحد الخيارات الإستراتيجية الجديدة لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث سيسهم في تزويدها بالمياه أثناء فترة الطوارئ والكوارث التي قد تتعرض لها أي دولة من دول المجلس.
٭ البحث في استخدام الأساليب الحديثة للطاقة البديلة في تنقية وتحلية المياه، بما في ذلك استخدام تقنيات معالجة مياه الصرف الصحي، وإعادة استخدامها، إلى جانب الطاقة الشمسية واستخداماتها في تحلية المياه، فضلا عن استخدام أحواض التبخر في التخلص من المياه الناتجة عن محطات التحلية في المناطق الداخلية.
٭ توظيف المزيد من الاستثمارات الخليجية في تقنيات استخدامات المياه وإدارتها بشكل علمي مدروس.
٭ تطوير التعاون العربي والإقليمي في مجال الانتفاع بالموارد المائية المتاحة وتنميتها.
٭ تبادل الخبرات في مجال المياه مع الدول العربية والأجنبية ذات الخبرات المتخصصة في مجال تحلية المياه من أجل زيادة الإنتاج وتقليل الكلفة، وتبرز في هذا السياق الخبرتان الروسية والألمانية تحديدا.
٭ إنشاء هيئة خليجية مشتركة لإدارة الموارد المائية في دول المجلس تضم ممثلين للحكومات وخبراء في قضايا المياه وما يرتبط بها من قطاعات مساندة.