بقلم: جيهانجير إيشبلر
المنسق العام لاتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي
[email protected]
cihangirisbilir@
ترجمة: د.منير قوشجوزادة
أرضية بيضاء عليها هلال أخضر يطوق الكرة الأرضية بخطوطها الطولية والعرضية تتوسطها الكعبة المقدسة، هكذا هو شعار منظمة التعاون الاسلامي الذي تم اقراره بـ «أستانا» في يونيو عام 2011، فالكعبة التي هي نقطة تمحور العالم الاسلامي تمثل الوحدة، اما الكرة الارضية ذات الخطوط الطولية فتمثل التناسق داخل الاختلافات، في حين يرمز الهلال الى العالم الاسلامي.
وبغض النظر عن التغيير الذي اجري على شعار المنظمة ـ التي انقلبت من «مؤتمر» الى «تعاون» ـ فهو في الحقيقة يتعدى من كونه تغييرا رمزيا الى كونه ضرورة تفرضه واقع العالم الاسلامي الذي شهد تغيرا منذ تشكيل المنظمة قبل 42 عاما، حيث بات مفهوم العالم الاسلامي غير مقتصر على الحدود الجغرافية بل تتعداه لتشمل حتى الدول غير المسلمة ذات «العمق الديموغرافي» المسلم، فلا يمكن التعبير عن العالم الاسلامي الا وفق هذا المنظور.
ماذا ننتظر من منظمة التعاون الإسلامي؟
٭ تمكنت هذه المنظمة التي كشفت عن خطتها العشرية بمكة المكرمة في ديسمبر عام 2005 والتي اقرت ميثاقها الجديد بداكار في مارس عام 2008 تمكنت من الانسلاخ من ذهنيتها المتقولبة وميثاق تأسيسها عام 1969 وركزت مساعيها لمواكبة عهدها الجديد على المستوى النظري والعملي من اجل تأسيس ارادة وآلية عمل تنعكس على الواقع، والمنظمة بهذا الوضع اصبحت اليوم احدى اهم المؤسسات في العالم الاسلامي.
لقد اظهرت الدعوات والمطالبات التي اطلقت مؤخرا وجود رغبة شديدة في تحول المنظمة الى ثاني اكبر منظمة على مستوى العالم بعد «الامم المتحدة» واكبر مؤسسة جامعة لاعلى المستويات السياسية في العالم الاسلامي بما يتناسب واهداف تأسيسها، فخلال زيارته الى مصر في نوفمبر في اعقاب الهجوم الاسرائيلي على غزة طالب رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان منظمة التعاون الاسلامي بأن تكون اكثر تأثيرا، في حين اكد وزير الخارجية احمد داود اوغلو خلال مشاركته في ندوة اقامها «مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية» ـ المعروفة مختصرا باسم «سَتا» ـ بتاريخ 6 ديسمبر اكد على «ضرورة ان تتمكن منظمة التعاون الاسلامي من مواكبة التحولات الجارية في المنطقة»، كما اطلقت دعوات ومطالبات مماثلة على مستويات مختلفة.
ان التحليل الرباعي «SWOT analysis» الذي اجراه «مركز الابحاث الاحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدريب للدول الاسلامية» التابع لمنظمة التعاون الاسلامي ومقره بأنقرة حول الدول الاعضاء بالمنظمة يظهر بشكل واضح وجلي جميع نقاط ضعف ومميزات الوضع الحالي. وعلى ضوء هذه الدراسة ودراسات مماثلة فإنه لو سئل أي شخص حول مستقبل العالم الاسلامي واحتياجاته الملحة لأجاب من دون تردد «وحدة قوية متواجدة في أكبر مساحة وبأكبر حجم».
والسؤال القاتل في هذه النقطة هو: كيف؟
٭ كيف ستتحول المنظمة الى وحدة وتتحرك في إطار الوحدة، لاسيما انها بالكاد تحولت من «مؤتمر» الى «تعاون» خلال 42 عاما؟
وأي بنية تنظيمية على المنظمة أن تمتلكها في سبيل أن تتمكن من وضع رؤية لما عجز عن وضعها النظام العالمي الحالي حول «تأسيس السلام» و«حفظ السلام» و«حل النزاعات ومنع وقوعها»؟
والأهم من كل ذلك كيف يمكن لمنظمة التعاون الاسلامي أن تكتسب صفة «منسق» في حل قضايا سائدة في 57 دولة عضو بالمنظمة؟ ومن هذه القضايا انتهاك حقوق الانسان، وتأسيس نظام الحكم الراشد، وإيصال المساعدات الى الذين يتعرضون الى الكوارث الطبيعية، والفقر ومكافحته، وتحسين ظروف التعليم ومجالات التكنولوجيا، وتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، وما شابهها من قضايا التي من شأنها أن تكسب المنظمة صفة «المسهل والمبني والمنسق» في إيجاد حلول لها.
المطلوب من منظمة التعاون الاسلامي أن تكون صوت ضمير العالم الاسلامي، وأن تكون المرجعية في مواجهة الإجحاف والتفرقة التي يتعرض لها المسلمون، وأن تكون قادرة ومؤهلة لتأمين أرضية وانتهاج سياسة ومواقف مشتركة، ولكن كيف؟
كيف يمكن تفعيل وتنشيط بنية نظرية ومؤسساتية؟
٭ في الحقيقة ان الهيئات والمراكز التابعة للمنظمة قادرة على الاجابة كل هذه الاسئلة والسعي لحل كل هذه القضايا، لاسيما في ظل الميثاق الجديد للمنظمة. وعلى سبيل المثال هناك لجنة برئاسة ملك المغرب خاصة بالقدس التي تعد أحد الاهداف التي من أجلها تم تشكيل المنظمة، ولكننا نعلم جميعا أن هذه اللجنة لم تقم بعمل نشيط من أجل الاقصى، كما يمكن للجنة المستقلة والدائمة لحقوق الانسان التابعة لمنظمة التعاون الاسلامي والتي عقدت اجتماعها الاول في أوائل هذا العام أن تكون فعالة ونشطة بخصوص انتهاكات حقوق الانسان في العالم الاسلامي. كما أن هناك لجانا دائمة عديدة منبثقة عن المنظمة تم تشكيلها منذ سنوات مثل اللجنة الدائمة للعلوم والتكنولوجيا برئاسة باكستان، واللجنة الدائمة للاقتصاد والتجارة برئاسة تركيا، واللجنة الدائمة للمعلومات والثقافة برئاسة السنغال، كما للمنظمة عدة مؤسسات أخرى الى جانب هذه اللجان الدائمة مثل مركز الابحاث الثقافية والفنية والتاريخية الاسلامية «IRCICA» ومصرف التنمية الاسلامي «IDB» فضلا عن منتدى للشباب.
وللمنظمة أيضا «محكمة العدل الدولية»، ومقرها في الكويت تم تشكيلها عام 1987.
وهذا يعني أنه توجد أمامنا بنية نظرية ومؤسسات نضجت طوال مسيرتها البالغة 42 عاما، وجددت نفسها بعد عام 2005 ولكنها لم تستطع أن تكون قوة فاعلة ولم تبرز على الساحة الدولية بسرعة تحركاتها، وعلى سبيل المثال لا نعرف أسماء ثمانية أمناء عامين للمنطقة سبقوا البروفيسور د.اكمل الدين إحسان أوغلو، أضف الى هذا أين هي تلك المؤسسات واللجان التي عددتها قبل قليل؟ وماذا تعمل؟ لا يعرف الجواب إلا الباحثون او أصحاب الشأن. وإلى جانب كل هذه المؤسسات واللجان تم الحديث خلال السنوات الأخيرة عن تشكيل «قوة حفظ السلام» تكون تابعة للمنظمة ولكنها لم تفعل حتى اليوم. فلو تحققت فستزيد من فاعلية المنظمة وتكون قادرة على تحقيق أهداف المنظمة التي أقرت في ميثاقها الجديد والتي منها حفظ السلام وحل النزاعات وتأسيس السلام. ينبغي لهذه البنية الضخمة ولأكثر من ملياري مسلم ينتمون لهذه البنية ويمتلكون أهم ثروات العالم من عدة جهات ان يستخدموا طاقاتهم التي يمتلكونها من أجل العالم الإسلامي وفي سبيل تأمين السلم والرفاهية للإنسانية.
يجب تجديد الكوادر وتقويتها!
منذ ان تولى البروفيسور د.اكمل الدين احسان أوغلو مهامه كأمين عام للمنظمة عام 2005 أجرى تغييرات كثيرة في بنية المنظمة الى حد يمكن توصيفها بـ «الإصلاحات»، غير ان التطلعات تتجاوز هذه التغييرات لتتحول الى رغبة رؤية المنظمة ومؤسساتها أكثر فاعلية، ولا يمكن تحقيق هذا التمني إلا من خلال الإسراع في إجراء تجديد بنية المنظمة عن طريق تجديد كوادرها وتقويتها. حيث يجب تعزيز المؤسسات والسكرتارية العامة بكوادر قوية جدا لتأمين تحكم المنظمة في جميع المسائل التي تهم العالم الإسلامي. ولابد من عدم تضييع الوقت في تفعيل القرار الصائب المتخذ هذا العام بشأن إعطاء منظمات المجتمع المدني او المنظمات الأهلية وضعا مشابها بما موجود في الأمم المتحدة. وهو قرار مهم وخطوة مهمة من شأنها ان تساعد على زيادة أنشطة المنظمة مع المنظمات الأهلية ونقل أنشطة المنظمة عبر هذه المنظمات الأهلية الى الجماهير وبالمقابل إيصال صوت الجماهير الى المنظمة، وقد كانت الدعوة الأخيرة التي أطلقتها منظمة التعاون الإسلامي لجمع المؤسسات الإغاثية الأهلية مع اللجنة الخاصة بالمساعدات الإنسانية المنبثقة عن المنظمة في أعقاب الأزمة في الصومال وسورية مبعثا للرضا والقبول ولكن التنفيذ كان جليا ان لم يكن بالمستوى الذي يشفي الصدور.
إن المشاكل الكثيرة المجمدة في العالم الإسلامي بحاجة الى الاهتمام من قبل العالم الإسلامي نفسه وكذلك الاهتمام بالمناطق ذات الأزمة، والصراعات المزمنة، والدول الخاضعة للاحتلال، والأخرى المعرضة للمجاعة والكوارث الطبيعية، وتلك التي لاتزال في المواجهات المسلحة المستمرة، كل هذه بحاجة الى اهتمام موحد من قبل العالم الإسلامي. كما ان الدول الإسلامية المستقرة والآمنة والسائرة نحو التطور والتقدم بحاجة هي الأخرى الى «عقل مشترك» لتحويل زخم حركتها الى تآزر وتساند. ثم ان بقاء الأمم المتحدة عاجزة عن إيجاد حلول للمواجهات الساخنة من كشمير الى فلسطين ومن أفغانستان الى سورية سيخلق دورا مهما لمنظمة التعاون الإسلامي في الفترة المقبلة. وماذا لو لم تتمكن منظمة التعاون الإسلامي من مسايرة التغيير الذي أطلق عليه «الربيع العربي» بسبب ابتدائه في الدول العربية مؤخرا والذي ستكون له تأثيرات على مدى سنوات طويلة في بقية مناطق العالم الإسلامي. اذ لابد من إدارة هذا التيار الذي لا يمكن التهرب منه إدارة سليمة وهذه الإدارة تقع على عاتق منظمة التعاون الإسلامي التي هي بنية مؤسساتية للعالم الإسلامي. ومن دون إدارة جيدة فإن العالم الإسلامي لن يتمكن من تجاوز الأزمات التي تواجهه إلا بصعوبة.
وأخيرا نأمل ان يتولى المسؤولية في البلدان الإسلامية إداريون على قدر من المسؤولية وشفافون ومستعدون لتقديم الحساب ويحققون الوحدة المثالية ويلبون الاحتياجات، هذا من جهة، ومن جهة اخرى نأمل من منظمة التعاون الإسلامي ان تتمكن في هذا الإطار من إجراء التحول المنتظر منها. عند ذلك ستتحول الراية والشعار الجديد لمنظمة التعاون الإسلامي والذي هو عبارة عن هلال يحتضن الكرة الأرضية وفي وسطها الكعبة المشرفة الى شعار يرمز الى الثقة التي ينشدها كل دول العالم الراغبة في العيش بسلام وأمان.