بقلم د.عيسى الظفيري
الإسلام، هذا الدين العظيم، الذي تنزّل من عند رب العالمين، حرص على تكوين المجتمع، الذي تشيع السماحة والود والابتسام بين أفراده وأبنائه.
دين جعل البشرى والفرح مقدمة على ما سواهما، بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا.
دين جعل من الابتسامة وطلاقة الوجه عبادة يتقرب بها العبد المسلم الى ربه سبحانه وتعالى، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تحقّرن من المعروف شيئا ولو ان تلقى أخاك بوجه طلق».
دين أدرك ان الابتسامة طريق للقلوب ومفتاح للسرور وسبيل للمحبة، يقول احد الصحابة واصفا اثر الابتسامة على نفسه ومشاعره: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت الا تبسّم في وجهي، عليه أفضل الصلاة والسلام.
دين جعل من ادخال السرور على القلوب والترويح عنها بكل أمر مباح، جعل من هذا العمل أحب الأعمال الى الله سرور تدخله على مسلم.
دين اتسم بالسماحة والشمولية لكل جوانب الحياة، وقدرته على تقديم ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم بأساليب راقية تحترم المشاعر والعقول، وترتقي الى المكارم والفضائل والمعالي، وتسمو بالنفوس الى ميادين الخير ومواطن الهداية.
دين يستحق منا الفخر بانتسابنا اليه وهو يجعل جزاء من يدخل السرور على قلوب المسلمين ان يظفر بسرور اكبر، يدخله الله جل جلاله في قلبه يوم القيامة.
قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: «من لقي أخاه المسلم بما يحب الله ليسره بذلك، سره الله عز وجل يوم القيامة» رواه الطبراني في الصغير واسناده حسن.
والمتابع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم يجد فيه الكثير من مواقف الدعابة والمرح بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.
فيذهب النبي صلى الله عليه وسلم الى السوق ويحتضن احد أصحابه من خلفه ولا يبصره الرجل ويقول: «أرسلني من هذا؟» فالتفت أزيد فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يلصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من يشتري هذا العبد؟»، فقال: يا رسول الله اذن والله تجدني كاسدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكن عند الله لست بكاسد».
انظر الى هذا الموقف، رسول البشرية يلاطف أصحابه في مكان عام، والجميع ينظر الى هذا الخلق الرفيع والتعامل السامي والتواضع الجم من رسول الهدى ليعلم الجميع مساحة الترويح والمرح التي جاء بها ديننا العظيم.
وفي موقف آخر يركب النبي صلى الله عليه وسلم حمارا ثم يقول لمعاذ بن جبل: «اركب يا معاذ»، فقلت: سر يا رسول الله، فقال: «اركب»، فردفته، قال معاذ: فصرع بنا الحمار بنا، اي سقط الحمار، وسقط رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ رضي الله عنه، قال معاذ: فقام النبي صلى الله عليه وسلم يضحك، وقمت أذكر من نفسي أسفا، اي معاذ متأسف ومتحرج، هذا الموقف الذي تعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم بسببه، والرسول يضحك، ويقابل هذا الموقف بهذا الارتياح وعدم الغضب، ويحول هذا الموقف الى ترويح عن النفس وإلى موقف مرح.
ضحكت لك الأيام يا علم الهدى
واستبشرت بقدومك الأيام
وتوقف التاريخ عندك مذعنا
تملي عليه وصحبك الأقلام
اضحك لأنك جئت بشرى للورى
في راحتيك السلم والإسلام
اضحك فبعثتك الصعود
وفجرها ميلاد جيل ما عليه ظلام
ان ديننا الإسلامي جعل ادخال السرور والابتسامة عبادة يتقرب بها العبد الى ربه عز وجل، وجعل لهذا المرح والترويح ضوابط وآدابا تنضبط بضوابط الإسلام:
1 ـ الا تكون مادة المزاح والضحك كذبا، فالمرح لا يسوغ لنا ان نقع في الكذب، قال صلى الله عليه وسلم: «ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب، ويل له، ويل له» رواه الترمذي.
2 ـ الا تكون فيه غيبة، فالإسلام يربأ بالمسلم ان يتعرض لأخيه بالانتقاص والاهانة، قال تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا).
3 ـ البعد عن السخرية والاستهزاء والتحقير والتطاول والشماتة، قال صلى الله عليه وسلم: «ان العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي بها بالا، يهوي بها في جهنم» رواه البخاري.
فليس من أخلاق المسلمين الاستهزاء باخوانهم، وجعل شخصياتهم وتصرفاتهم مادة للمرح والترويح، وعلى المسلم ان يحذر مما شاع في الأوساط الاجتماعية من الرسائل الهاتفية التي يتبادل بها الاستهزاء والسخرية بالأسماء والعوائل والقبائل فهي ليست من أخلاق الإسلام في شيء.
4 ـ التوازن والاعتدال بحيث الا تكون الحياة في كل المواقف جادة، وكذلك لا يكون المزاح هو الصفة الغالبة، وكما قيل المسلم يحتاج الى الضحك والمرح بمقدار ما يحتاج الطعام الى الملح.
5 ـ عدم خلط الجد بالهزل، فلا بد للمسلم ان يعرف حاله، ويميز مقصده، حتى لا تختلط الأمور وتنشأ المشاكل.
أخيرا، وبعد هذه المحاولة لإحياء مفهوم من مفاهيم الإسلام، وهو مفهوم المرح، نجد اننا بحاجة الى تجسيد هذا المفهوم في واقع الحياة، مرح وسرور يستمد الأصالة والنقاء من هذا الدين العظيم، يسمو بالنفوس والقلوب الى جملة من المسرات، ينقلنا عبر ميادين الكلمة الطيبة، والبسمة الصادقة، والبشرى المفرحة، والمواساة المسلية، والمحبة الخالصة، وغير ذلك مما يفتح القلوب على المحبة ويترفع بها عن الحقد والغل والكراهية، ويحلّق بها بعيدا عن الاسفاف والخلاعة. هي دعوة لي ولك ولنا جميعا لأن نصحح مسيرة الترويح وان نرتقي به حتى تكون عبادة نتقرب بها الى الله عز وجل.