Note: English translation is not 100% accurate
«حزب الله» في سورية.. «الظروف والدوافع» من وجهة نظر «مؤيدة»و«معارضة»
25 مايو 2013
المصدر : الأنباء
منذ أن تكشفت الملامح الأولى لما يعرف بالثورات العربية وجد حزب الله أن هذه الثورات تعيش تناقضات فعلية في الرؤية والحركة والهدف، وتعاني اضطرابا خطيرا في تنظيم الأولويات وفقا للمصالح الداخلية الوطنية والتوجهات العامة للأمة، ورأى أن المنطقة تتغير بطريقة جذرية، وأن التفاعلات المجتمعية والسياسية والثقافية لم تقد العرب نحو مساحات آمنة، بل نحو أزمات حادة وصدامات قاسية، وأن هناك حاجة ماسة إلى إعادة النقاش حول ما جرى التسالم عليه، بداية من أن ما يسمى «الثورات العربية» هي حقا ثورات لا تحولات استراتيجية تتيح لأميركا الهيمنة الكاملة ولإسرائيل التفوق المطلق، وأن جملة من التساؤلات المصيرية تلقي بثقلها على طبيعة تلك التحولات والإفرازات، تحتاج إلى إجابات مقنعة وإلى إدراك مرن لتفاعلاتها الخطيرة، صحيح أن الاستقرار لم يكن واحدة من سمات المنطقة العربية، وكذلك الوحدة بين الدول العربية، إلا أن مستوى التهديد الحالي حتما هو الأكبر حجما والأخطر نوعا منذ أن رسمت خريطة سايكس ـ بيكو عام 1916.
في الواقع واجه حزب الله تحديا في جمع العرب حول رؤيته ومقاربته للاتجاهات والحقائق والتحولات التي بدأت منذ أكثر من عامين تقريبا، والتي تتطلب قدرة رفيعة على الفهم، وخصوصا مع انتشار عدوى المذهبية والطائفية من جهة، وافتقار «الثورات» إلى مسار واحد، حيث أصبحت كل واحدة منها تقدم نموذجا خاصا من جهة ثانية، ومع تزايد منسوب الصراعات النظامية وغير النظامية، الذي أدى إلى تعدد مشكلات الأمن التقليدي وغير التقليدي، وإلى ارتباط التفاعلات الجيوستراتيجية بمزيد من الكوارث ثالثا، ومع هبوب رياح خارجية عاتية تريد أن تلقي أحمالها على الأرض العربية الرخوة، وخصوصا مع نشر خرائط جديدة تجتر ما خططه الاستعمار القديم للمشرق العربي رابعا، ومع تصاعد اتجاهات معادية لفكر ونهج المقاومة من جماعات دينية متشددة خامسا.
ومن خلال استعراض المشهد في العالم العربي تتضح خلفية دخول حزب الله في الأزمة السورية، إذ لا يمكن بأي حال انتزاع ما يجري من أوضاع متوترة ومن تصدعات عميقة في البنية الدينية والثقافية والأخلاقية، ومن عوامل خارجية ساهمت في تفجير التناقضات داخل المجتمعات العربية، من سياق ما يجري اليوم من أحداث وتطورات في سورية، فقد سبقت دخول حزب الله في الأزمة السورية تحديات أمنية وسياسية بالغة الخطورة كانت بمثابة مقدمات قادت إلى هذا الخيار الصعب.
▪ أول هذه التحولات: إخراج سورية من محور المقاومة، فقد كان واضحا منذ بداية الدراما (الثورية) في سورية أن أحد أهم أهداف المنتجين لها هو تفكيك منظومة المقاومة التي تمثل سورية عمدة أساسية فيها، وما قاله السيد حسن نصر الله في خطابه ما قبل الأخير كان جلا في إشارته إلى هذه الحقيقة، بأن مسلسل تدمير سورية دولة وشعبا ومجتمعا وجيشا هدف إلى شطب سورية من المعادلة الإقليمية، ومن دورها التوجيهي ومن ثقلها الاستراتيجي على مستوى المنطقة، وبالتالي صياغة المشهد الإقليمي بلا سورية، وهذا يعني بحسب المخطط الموضوع لها أن فك وتركيب الجغرافيا السورية على أسس جديدة من شأنه تحويل سورية من دولة ممانعة مركزية ومحورية إلى دويلات منشطرة منكفئة لا تقوم إلا بأداء بعض الأدوار الوظيفية المطلوبة منها، وهذا يعني على نحو مباشر أيضا أن إخفاء سورية كدولة نتيجته اختفاؤها من ساحة التأثير في الملف الفلسطيني واللبناني والعراقي والأردني، وإضعاف ميزاتها العسكرية إلى مستويات دنيا، وهذا الأمر الأخير لا يندرج تحت مطالب الإخلال بتوازن القوى فحسب، ولكنه أيضا ينصرف إلى الإخلال بتوازن المكانة والردع.
وبناء عليه، كان السيد نصرلله في منتهى الوضوح والصراحة والجدية أيضا عندما قال: «ان لسورية في المنطقة والعالم أصدقاء حقيقيين لن يسمحوا لها بأن تسقط في يد أميركا أو إسرائيل أو الجماعات التكفيرية».
وهذا الموقف المتقدم يتأسس أيضا على ما قاله منذ أيام الإمام الخامنئي في المؤتمر العالمي لعلماء الدين والصحوة الإسلامية في طهران، من أن النزاع في سورية هو «بين أنصار المقاومة ضد الصهيونية ومعارضي هذه المقاومة».
وبهذا المعنى، فإن هناك صراعا أساسيا ومباشرا بين قوى المقاومة في المنطقة وقوى الاستكبار والصهيونية يستحيل على حزب الله أن لا يكون جزءا منه، أو بعيدا عن التفاعل مع أحداثه وتداعياته.
▪ ثانيها: ان سقوط سورية يعني تصفية آخر معاقل الحضانة العربية للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وسيفقد الفلسطينيون داعما أساسيا لهم كان يؤمن الحماية السياسية، ويوفر مظلة أمنية واستراتيجية ومساعدات لوجستية في مختلف المجالات، وما انتصار غزة عامي 2008 و2012 إلا في سياق هذه الحقيقة.
وما عزز وعاظم من مخاوف حزب الله أن قوى سورية معارضة صرحت باستعدادها لإقامة علاقات ديبلوماسية مع العدو الإسرائيلي، وبالتالي فإن وصول هذه القوى إلى سدة الحكم في سورية سيؤدي إلى انهيار كامل للمكتسبات الكبيرة التي حققها محور المقاومة على مدى سنوات الصراع.
وحزب الله الذي لا يمكن أن يتساهل مع الموضوع الفلسطيني لاعتبارات دينية وإنسانية وحقوقية ووطنية وقومية، لن يكون حياديا إزاء ما يجري من مخططات لتصفية القضية الفلسطينية من البوابة السورية.
▪ ثالثها: إن مشروع تقسيم سورية إلى دويلات عرقية وطائفية إذا نجح فسيفتك بما تبقى من الوحدة الجغرافية للمنطقة، وسيعزز المنطق الإسرائيلي من تحويل فلسطين إلى دولة يهودية نقية، ان وقوف حزب الله ضد تقسيم سورية وفي وجه هذا المشروع التجزيئي التفتيتي سيمنع من تدحرج المنطقة برمتها إلى هذا المآل المشؤوم، الذي كان قد حذر منه الإمام الصدر مبكرا في ستينيات القرن الماضي، عندما رأى أن هناك مخططا لملء المنطقة بـ «إسرائيليات» طائفية سنية وشيعية ودرزية وكردية ومسيحية، وعلى أساس ذلك تصبح إسرائيل هي الدولة المحورية المركزية الأكثر قوة واستقرارا في المنطقة، في مقابل دول متقاتلة هشة تتوزع أنحاء العالم العربي.
▪ رابعها: ان وصول الجماعات التكفيرية إلى الحكم في سورية سيدفع المنطقة إلى حروب طائفية ومذهبية كارثية، وسيعزز من منطق الصدام والعداء بين الجماعات المختلفة دينيا وثقافيا إلى أمد طويل، كما أن إشارة السيد نصر الله إلى مسألة مقام السيدة زينب لم تأت عرضا، وإنما للحساسية البالغة له في الوجدان الشيعي، ولأن التعرض لهذا المقام الذي تضعه الجماعات التكفيرية التي تسيطر على الأرض في قائمة أهدافها له تداعيات خطيرة، وسيؤدي إلى خروج الأمور عن السيطرة، ولذلك فإن حزب الله لن يسمح بأن تدوس أقدام هذه الجماعات أرض المقام، وخصوصا أن ما حصل بحق مقام الإمامين العسكريين في سامراء، وأخيرا من تفجير لمقام الصحابي الجليل عمار بن ياسر في الرقة، ونبش الصحابي حجر بن عدي في عدرا مازال ماثلا في الذهن.
▪ خامسها: ان لبنان ليس جزيرة معزولة عن الارتدادات الأمنية والسياسية من دول الجوار، ذلك أن موقع لبنان لا يسمح له بأن يحتجب عن تأثيرات الداخل السوري، فهناك علاقة ارتباطية ذات طابع تشابكي بين لبنان وسورية، ليس لأحد أن يحد من مجريات تفاعلها، فالاهتزازات في سورية ستقود حتما إلى اهتزازات في لبنان والعكس صحيح، والكل يعلم اليوم أن الوضع اللبناني مرتبط بملفات الصراع في المنطقة الذي يتجاذبه ويتنازعه محوران، الأول بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والثاني بقيادة روسيا الاتحادية، ولأن حزب الله بات أحد أبرز اللاعبين والفاعلين على الساحة الإقليمية، بسب مقاومته للعدو الإسرائيلي، ومجابهته للمشروع الأميركي، فإن دوره أساسي في أي تسوية محتملة، أو في أي حرب مفتوحة مقبلة، وليس وجوده اليوم في سورية إلا في إطار الاشتباك الإقليمي الدولي داخل مساحة هذه المنطقة.
▪ سادسها: ان سورية وحزب الله يعملان معا منذ سنوات في بناء منظومة أمنية سياسية عسكرية لمواجهة المشروع الإسرائيلي ومخططاته، والدفاع عن المكتسبات والانجازات التي حققاها معا ، ولاسيما انتصار عام 2006، وبناء عليه، فقد بنى الحزب وسورية شراكة استراتيجية تجعلهما معا في مواقع المواجهة والاستعداد الدائم لخوض غمار أي حرب مقبلة مع إسرائيل، فعندما دخلت سورية إلى جانب حزب الله عام 2006 كان هذا أمرا منطقيا وطبيعيا أن تقف مع حليفها، واليوم يجد حزب الله نفسه معنيا بمقتضى هذه الشراكة أن يقف ويدافع بقوة عن سورية لنفس المقتضيات والدوافع السياسية والأخلاقية والاستراتيجية والوطنية والقومية التي انبنت عليها انتصارات عامي 2000 و2006. وعليه فإنه من المفيد أن نفهم النظام الأوسع الذي تقع في إطاره الأزمة السورية، وكيفية تطورها منذ عامين حتى الآن، لقد تعامل معها البعض بوصفها أزمة مغلقة، فيما الكل يعلم أن حجم التدخلات الخارجية، ومستوى الدعم العسكري والمالي والإعلامي الذي قدم للجماعات المسلحة منذ بداية الأزمة، وخصوصا من الجهة اللبنانية لا سابق لهما.
لقد تدخل الجميع قبل أن يتخذ حزب الله قرارا بالدخول على خط الأزمة.
في الحقيقة، ان الأزمة السورية لا يمكن تقويمها إلا بالنظر إلى العلاقات الدينامية بين نظم ومشروعات ومصالح وفاعلين متعددين إقليميين ودوليين خلقت بالنسبة إلى حزب الله أجندة من الأولويات والتحديات المباشرة، وهذا ما يستدعينا حين مقاربة هذه القضية أن نكون أوسع صورة ممكنة عن المجال السياسي والجغرافي والاستراتيجي والميداني الذي يتحرك فيه المتنازعون، والذي فرض على حزب الله سلوكا استراتيجيا على هذا النحو من التوسع والجرأة.
ولكن وجهة النظر المؤيدة لتدخل حزب الله في سورية تصطدم بأخرى معارضة التي تمتلك قراءة شاملة للخلفيات المحلية والإقليمية لتدخل الحزب.
وقراءة سياسية لمصادر في 14 آذار (استنادا الى معركة القصير وخلفياتها وآفاقها):
النظام السوري ومعه حزب الله قرروا إنشاء ربط بين ثلاث قضايا أساسية هي:
▪ الأولى: إيجاد ربط بين التسوية في سورية وبين المسعى الأميركي لحل المسألة الفلسطينية، أي رهن نجاح المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي بتلبية مطالب النظام من التسوية في سورية، وضمن هذا النطاق تأتي تصريحات أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الأخيرة عن ربط بين جبهتي الجولان وجنوب لبنان.
▪ الثانية: إيجاد ربط أيضا بين معركة القصير في ريف حمص السورية ونتائجها والمعادلة السياسية في لبنان، فذهاب الحزب للقتال في القصير وريفها، يتم طرحه من باب أنه حرب استباقية ضد الحالات الإسلامية للحؤول دون انتقالها إلى لبنان في حال حققت نصرا في سورية، وبهذا المعنى فإن قتال الحزب هو جزء من منظومة قتالية على صلة بمحور يمتد من إيران إلى العراق إلى سورية فلبنان، وهدفه تبادل الحماية وخوض أي معركة ككتلة واحدة من أجل عدم تمكين من يعتبرونه «العدو» من الانتقال من مربع إلى آخر وجعله باختصار محاصرا في بقعة جغرافية ضيقة وحرمانه من أي عمق ديموغرافي أو تواصل ديموغرافي مع لبنان.
▪ الثالثة: ان قتال حزب الله في القصير هو أبعد في أهدافه من حماية النظام، وهو يرمي أيضا وبالأساس للانخراط معه في تطبيق خطة بديلة تعنى بإنشاء ملاذات للنظام في سورية وللحزب في لبنان، في حال فقدا إمكانية السيطرة على مفاصل السلطة في البلدين، وتفيد المعلومات بأن قتال حزب الله في منطقة القصير وريفها وأيضا في مناطق محددة من ريف دمشق هو على صلة بجهد عسكري وميداني يبذله لرسم حدود هذه الملاذات بالنار وأيضا تأمين ديموغرافيا متجانسة فيها عبر قيامه بسياسات «تطهير» مذهبي، من نوع مجزرة «البيضا» قرب بانياس مؤخرا.
وبحسب توقعات منسوبة لمصادر وثيقة الصلة بالنظام السوري وحزب الله، فإنه وخلال المرحلة المقبلة سيتم تطوير تكتيكات القتال الخاصة بالحزب والنظام، حيث تم إنشاء سرايا عسكرية مختلطة منهما، وسيصار إلى دمجها قريبا لتصبح فرقة عسكرية كاملة (30 ألف مقاتل شيعي وعلوي) بقيادة مشتركة من كليهما، وهي ستنتشر في مناطق حدودية على جانبي الحدود السورية واللبنانية في الشمال والشرق وفي منطقة العرقوب.