Note: English translation is not 100% accurate
على هامش ندوة الجمعية الاقتصادية حول الإصلاح الإداري في القطاع العام
لوتشياني: تأسيس الكويت لـ «جزر كفاءة» يقلص حجم البيروقراطية
5 مارس 2014
المصدر : الأنباء

ضرورة دراسة وسائل وطرق الإنفاق الحكومي لتفادي تضخم القطاع الحكومي وتدني كفاءة أجهزة الدولةمنى الدغيمي
نظمت الجمعية الاقتصادية الكويتية ندوة عامة حاضر فيها البروفيسور جياكومو لوتشياني من المعهد العالي للدراسات الدولية والإنمائية في جنيف عن سبل تقليص حجم البيروقراطية الحكومية في الكويت من خلال تأسيس «جزر كفاءة» مستقلة في القطاع العام، وتأتي الندوة امتدادا لجهود الجمعية الرامية إلى تحفيز ودعم النقاش العام حول الإصلاح الإداري في القطاع العام للكويت.
وقد استهل البروفيسور لوتشياني محاضرته بالإشارة إلى أنه لا يمكن للاقتصاد المحلي والسكان المحليين الاستفادة من الإيرادات النفطية إلا إذا قامت الدولة بالإنفاق في الأسواق المحلية، مؤكدا ضرورة دراسة وسائل وطرق الإنفاق الحكومي بعناية، لتفادي تضخم القطاع الحكومي وتدني كفاءة أجهزة الدولة.
وأضاف لوتشياني «تميل الحكومات دائما إلى تقديم الخدمات مباشرة، أي انها تعهد إلى أجهزة الدولة لتقديم الخدمات، وتفترض الحكومة أن ذلك يضمن الرقابة والكفاءة، بينما العكس هو الصحيح.وينبغي على الحكومة اختيار حلول بديلة لتقديم الخدمات للمواطنين بشكل غير مباشر في أي مجال تجده مناسبا من خلال إنشاء هيئات أو مؤسسات مستقلة، ومكتفية ذاتيا تعمل كـ «جزر كفاءة»، ومن الأمثلة على الخدمات التي يمكن أن تتولى المؤسسات المستقلة تقديمها الكهرباء وخدمات البريد. ويمكن أن تؤدي هذه الأعمال إلى تحقيق أرباح، كما يمكن أن تتم خصخصة تلك المؤسسات بشكل جزئي أو كامل».
وقال لوتشياني: من المرجح أن يستفيد قطاع التعليم، وقطاع الصحة من انشاء «جزر كفاءة» تعمل كمؤسسات غير ربحية مثل الجامعات أو المستشفيات. ويكون الاستقلال الذاتي في جميع الأحوال ضروريا، إذ يجب أن تكون لهذه الكيانات نظم حوكمة ومراكز صنع القرار الخاصة بها. كما يجب أن تكون لها السيادة في قراراتها المتعلقة بالموازنة والإدارة والاستثمار، وأن تقوم الدولة بتحديد مهمة واضحة لكل هيئة، وتعيين مشرفين إداريين عليها لفترات محددة ومراقبة أدائها باعتماد مؤشرات قياس أداء واضحة وشفافة، ولكن لا ينبغي لها أن تتدخل في قراراتها اليومية أو حتى في قراراتها الاستثمارية. وإذا أظهرت مؤشرات قياس الأداء أن الهيئات غير قادرة على القيام بالمهام المناطة بها، ينبغي في تلك الحالة استبدال إدارتها فورا.
الدعم الحكومي
وأكد لوتشياني وجوب تقاضي «جزر الكفاءة» المستقلة رسوما من الجمهور نظير خدماتها، مشيرا إلى أهمية أن يتم أخذ تكلفة الدعم الحكومي في الاعتبار بحيث يمكن مراقبتها ومناقشتها، بحيث تستطيع الدولة التدخل وتحمل الرسوم عن المواطن سواء بالكامل أو جزئيا، لكن يجب أن يتم ذلك من خلال هيئة أخرى وليس الهيئة المقدمة للخدمة.وعلى سبيل المثال، يمكن أن تقوم الدولة بإنشاء هيئة واحدة أو أكثر لتقديم المنح الدراسية لطلاب الجامعات وسداد الأقساط للجامعات، وبهذه الطريقة تتمكن الهيئة المقدمة للمنح الدراسية من الاعتراض على ارتفاع الأقساط التي تفرضها الجامعات، وبالتالي يتم خلق آليات «سوق»، ومن الطبيعي ألا يكون هذا السوق مثاليا في كل الأحوال، ففي قطاعي التعليم والصحة يمكن خلق منافسة بين الجامعات والمستشفيات، إلا أن بعض المجالات الأخرى ستشهد مقدم خدمة أوحد يحتكر السوق، لذلك هناك ضرورة ملحة لتأسيس جهات تنظيمية ورقابية لحماية متلقي الخدمة وضمان أداء السوق بشكل صحي.
وأوضح لوتشياني أنه مثلما يحتاج تأسيس الشركات إلى رؤوس أموال، ينبغي أن تحصل الهيئات التي تعمل كـ «جزر كفاءة» على منح حكومية. ويفضل أن تقدم الحكومة الدعم للهيئات المستقلة من خلال إيجاد صناديق وقف بدلا من تحويل المخصصات المالية سنويا من ميزانية الدولة.
ويتوافق إنشاء «جزر كفاءة» تمثل نفسها ذاتيا كصناديق وقف مع طبيعة الاستثمار الرأسمالي، بينما تعتبر التحويلات السنوية جزءا من الإنفاق الجاري.وفي حين تعاني غالبية الحكومات في العالم من مصاعب مالية لا تمكنها من تحمل تخصيص جزء كبير من إيراداتها للمصروفات الرأسمالية، تملك الكويت قدرات مالية كبيرة تسمح لها بالمناورة وتمكنها من اعتماد استراتيجية لتوفير المنح للهيئات المستقلة من أجل تقديم خدمات محددة، وبالتالي استبعادها من نفقاتها الجارية. وبهذه الطريقة تتزايد أهمية المصروفات الرأسمالية، مقابل تضاؤل النفقات الجارية، ما يؤدي بالتالي إلى مرونة أكبر في ميزانية الدولة.ونظرا لتقلب أسعار النفط، يجب ألا تكون عملية إنشاء المنح ثابتة أو تتزايد بالضرورة سنة بعد سنة كما هو الحال في الإنفاق الجاري.
كما شدد لوتشياني على أن تخصيص جزء كبير من الإيرادات النفطية لإنشاء صناديق الوقف يتناسب أيضا مع حقيقة أن النفط يعتبر موردا متناقصا، وتعتبر الإيرادات النفطية إلى حد كبير حصيلة بيع جزء من هذا المورد وليست ناتجة عن إيجاد قيمة مضافة صافية، ولذلك ينبغي استخدام الإيرادات النفطية للاستثمار وليس للإنفاق الاستهلاكي، وفي حالة اتباع استراتيجية منهجية لإنشاء «جزر الكفاءة» المستقلة والتي تمول نفسها كصناديق وقف، تتعزز الأسواق المالية بوجود عدد كبير من المستثمرين المؤسسيين، وبالتالي يتم تسهيل جمع رؤوس الأموال للمشاريع والشركات الخاصة، ويشكل المستثمرون المؤسسيون عنصرا أساسيا وهاما في الأسواق المالية المتطورة، بينما إذا تم تجميع الإيرادات النفطية في صندوق استثمار حكومي محلي واحد تسيطر عليه الدولة، يمكن أن تنتقل ملكية الكثير من الشركات من القطاع الخاص إلى القطاع العام.وفي حين ان هذه النتيجة غير مرغوب فيها، يمكن أن تواجه الحكومة صعوبة في استخدام الإيرادات النفطية لتوفير رأس المال للمشاريع الخاصة (يمكنها تقديم قروض ميسرة، ولكن هناك حاجة إلى الأسهم)، ويمكن تخطي هذه الصعوبة في حالة استخدام الإيرادات النفطية لتأسيس «جزر كفاءة» صناديق وقفية تمارس نشاطها كما لو كانت مؤسسات استثمارية كبيرة.
إجراءات الرقابة
ونبه لوتشياني إلى احتمال ألا تتمكن بعض الهيئات المستقلة من تحقيق أهدافها، أو أن تخسر المنحة المقدمة لها نتيجة سوء اختيار الاستثمارات التي تقوم بتوظيف أموالها فيها، حيث تتعرض نسبة مئوية معينة من المؤسسات العاملة للفشل بغض النظر عن كونها تعمل في إطار نظام مركزي أو نظام سوق.إلا أنه يمكن في ظل تطبيق إجراءات الرقابة على السوق اكتشاف الخلل في مرحلة مبكرة، واستبدال الإدارة أو تحسين أداء المؤسسة أو إعلان إفلاسها أو تصفيتها في بعض الأحيان، ولا يجب التخوف من هذا السيناريو فهو من الوارد أن يحصل أيضا في النظم البيروقراطية والهرمية، والتي يصعب في ظلها اكتشاف الخسائر في الوقت المناسب، وبالتالي يستمر فيها الأداء الضعيف لفترات أطول وتتضاعف كلفته على الدولة.
وأشار لوتشياني إلى أن اعتماد استراتيجية لتقليص حجم الحكومة من خلال إيجاد هيئات مستقلة تعمل كـ «جزر كفاءة» يتم تمويلها من خلال صناديق وقفية يحتاج إلى عدد أكبر بكثير من المشرفين الإداريين المسؤولين والمؤهلين مما يحتاجه النظام المركزي الهرمي، لكن بعد عقود من التركيز على التعليم، أصبحت الدول المنتجة للنفط تملك اليوم أعدادا كبيرة من المواهب الشابة التي تسعى إلى تحمل مسؤوليات أكبر، وينبغي إتاحة الفرصة لها لخوض التجربة.
تجدر الاشارة الى أن البروفيسور جياكومو لوتشياني هو عالم اقتصاد سياسي معروف، أصدر أعمالا كثيرة حول الدول النامية، مع التركيز بشكل خاص على الشرق الأوسط. وهو يشغل منذ العام 2012 منصب استاذ محاضر في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف، ومدير برنامج الماجستير التنفيذي في الإدارة الدولية للنفط والغاز، كما يشغل منذ العام 2010 منصب المدير العلمي لبرنامج الماجستير في الطاقة العالمية بكلية باريس للشؤون الدولية، معهد الدراسات السياسية سيانس بو ـ باريس، وهو أيضا أستاذ عالمي بجامعة برينستون.