Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
«الاستفتاء - التمرد» في شرق أوكرانيا.. «فدرلة» أم شرارة حرب أهلية ؟
13 مايو 2014
المصدر : بيروت

على الرغم من «التنديد الغربي» بضم روسيا شبه جزيرة القرم، مضى الرئيس الروسي في سياسة التحدي والاستفزاز حيث احتفل بذكرى النصر على النازية في القرم وحضر عرضا عسكريا و«شعبيا»، وشجع انفصاليي شرق أوكرانيا على تحدي سلطة كييف ومواجهتها.
وعلى الرغم من الرفض الأوروبي المسبق للاستفتاء الذي نظمه الانفصاليون (الناطقون باللغة الروسية والمرتبطون بروسيا بمصالح اقتصادية) والتحذير من نتائجه، جرى الاستفتاء الذي بدا أقرب إلى تمرد على الحكومة الأوكرانية وعزز المخاوف من أن يطلق شرارة حرب أهلية تسبب في تهديد الأمن الأوروبي وفي أسوأ أزمة بين روسيا والغرب منذ الحرب الباردة.
الاستفتاء ونتائجه معروفة ولكنه يطرح أسئلة التي لا جواب واضح عليها، أهمها: ما الإجراءات التي ستتخذها سلطات كييف المعنية تجاه «جمهورية دونيتسك الشعبية»، بعدما خسرت قبل ذلك شبه جزيرة القرم أحد أهم مرافقها الإستراتيجية والحيوية؟ وكيف ستتعامل موسكو مع كيان جديد غير مرغوب به دوليا على الخريطة السياسية الأوروبية بعد استفتاء تقرير المصير؟ والأهم كيف سيتعاطى الأوروبيون مع هذا التطور، وهل تكون ردة فعلهم على انفصال شرق أوكرانيا مشابها لردة فعلهم على «سقوط القرم»؟ وهل ستغادر دائرة التفرج والارتباك والى حد ما العجز وفي أي اتجاه؟ كل ما يجري يوحي بصراع مديد على الساحة الدولية، المسألة وصلت إلى صدام بين مصالح إستراتيجية، تقف خلفها قراءة متناقضة لكيفية إدارة العلاقات الدولية، هل لدولة كبرى الحق في منع دولة مجاورة أن تقرر أين تجد مصالحها؟ هل لأوكرانيا الحق في القرار بأن مصالحها مع الاتحاد الأوروبي وبالتالي تختار الارتباط به؟ الأمر محسوم عند الأوروبيين، بدليل مسارعتهم لاحتضان الحكم الجديد الموالي للغرب، وهذا يعني أننا نرى أنه من حقهم القرار، وأن قرارهم ليس تهديدا إستراتيجيا لأحد.
أما روسيا تنطلق من مبدأ مناقض، الرئيس بوتين شدد على أن الأوروبيين «تجاوزوا الخط الأحمر» في أوكرانيا، لكن بخلاف المتأملين بعودة توازن الأقطاب، كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قال إن السلوك الروسي الآن يعكس ضعفا وليس قوة، وروسيا «أكثر عزلة» على الساحة الدولية.
لا يمكن القول إن التقدير الأميركي بضعف روسيا مخطئ بشكل تام باعتبار الحصيلة الحالية: النجاح، حتى الآن، في ربط أوكرانيا بالغرب، في المقابل، فإن مجرد ترك الحرائق تصل إلى خاصرة روسيا لا يمكن اعتباره موقف قوة، إلا أن الصراع لايزال مفتوحا، وروسيا تتصرف بالفعل كدولة تدافع عن خط أحمر ترفض إدخال تعديل على مقاساته. وتقوم الرؤية الروسية حاليا على امتصاص النقمة الأوروبية، ومحاولة التعامل الحذر مع موضوع العقوبات لحصرها في نطاقات لا تشكل ضررا بالغا على العلاقات، خصوصا مع أوروبا الشريك الأهم لروسيا. ثم الانطلاق من ضرورة التعامل مع الأمر الواقع الجديد في شكل عملي ومرن.
تعتبر موسكو أن تسوية الأزمة مع أوكرانيا تنطلق من أبعاد موضوع القرم عن النقاش، باعتباره غدا أمرا مفروغا منه، ولا تراجع عنه، ثم الانطلاق إلى بحث آليات استراتيجية لإعادة تشكيل هياكل السلطة في أوكرانيا على أسس جديدة، وعلى رغم أن موسكو تقول لضيوفها إن معنى هذا الكلام هو إعادة وضع دستور وإجراء انتخابات شرعية على أساسه واحترام المكونات القومية عبر تقديم ضمانات للروس وجملة من المسائل الأخرى، لتنظيم علاقات جوار بين موسكو وكييف، لكن خبراء قريبين من الكرملين لا يخفون أن الهدف الأساسي لروسيا هو الوصول إلى فرض صيغة «الدولة الفدرالية» في أوكرانيا، وهي صيغة جرى النقاش حولها طويلا في الكرملين خلال السنوات الماضية باعتبارها المخرج من الأزمات المتتالية في البلد الجار.
وبالصيغة الفيدرالية للحكم ستكون لموسكو القدرة على التدخل في مناطق الشرق والجنوب عبر اتفاقات مباشرة مع الهياكل المحلية لكل إقليم، ما يمنحها مجالا واسعا للمناورة، ويضمن لها بقاء دائما.
العنصر الثاني المهم لروسيا هو إعلان أوكرانيا بلدا محايدا، أي عدم انضمامها إلى أي أحلاف عسكرية، ولا يخفى أن المقصود هنا حلف شمال الأطلسي تحديدا.
هذا هو السيناريو الروسي للبلد الجار، وفي حال نجحت في فرضه، فستكون وضعت أولى الخطوات نحو الهدف الاستراتيجي الأبعد وهو تعزيز وضع الفضاء الحيوي لها في منطقة تشهد تقلبات وسباقا مع الزمن، وصراعات بين راغبين بالخلاص من الهيمنة الروسية وآخرين يرون في روسيا السند الاقتصادي والسياسي الأهم.