Note: English translation is not 100% accurate
رأي - خاص بـ «الأنباء»
عكس السير: مسار التخطيط في الكويت
20 مايو 2014
المصدر : الأنباء

50 سنة تخطيط لتعديل التركيبة السكانية ورفع نسبة الكويتيين.. والنقيض تماماً على أرض الواقع
بين خطط الأمس واليوم.. اختفت مفردات العدالة الاجتماعية وتوزيع الدخل والوظيفة الاجتماعية
خطة التنمية سنة 1967 تبنت تحويل «الكويت لمركز مالي».. وبعد 5 عقود نحن في آخر الركب خليجياً ونتراجع عالمياً
إذا كتب على أدبيات التخطيط بالكويت أن تعيش في وادٍ من الأوهام فهذا لا يلغي جهود إعدادها
«التخطيط ليس مبنى فخما يسكنه بيروقراطيون تمتلئ أعماقهم حبورا وتنتفخ أوداجهم سرورا بفخامة مبناهم وضخامة ألقابهم. والتخطيط ليس توصيات تنتجها، بالجملة، دون خبرة محلية أو أجنبية. التخطيط هو تلك المعاناة اللماحة الذكية اليومية لواقع الوطن وتطلعات المواطنين: تلك المعاناة التي تنزل بتطلعات المواطن إلى واقع الوطن في الوقت الذي ترتفع فيه بواقع الوطن إلى تطلعات المواطن. كلما زادت «نقاط التماس» بين التطلعات والواقع كان ذلك دليلا على نجاح التخطيط، وكلما زادت الفجوة بين التطلعات والواقع كان معنى ذلك أن التخطيط يعيش في واد من الأوهام».
هذا ما قاله الفقيد د.غازي القصيبي في كتابه القيم « التنمية.. الأسئلة الكبرى » (صفحة 83) ويصلح كمقياس لجدوى جهد التخطيط وجدية التطبيق.
تجربة الكويت
شهدت الكويت فورة عمرانية ومالية صاحبت بدء الاستغلال الفعلي لحقول النفط وإنتاجها بكميات تجارية كبيرة بدءا من عام 1951، وتضاعفت مداخيل الدولة في السنوات التالية بشكل كبير وسريع.وكان إنفاق الدولة مدفوعا وموجها برغبة سياسية عارمة لتحسين أوضاع المواطنين في مختلف مناحي الحياة والارتقاء بمستوى معيشتهم وتوفير خدمات «الرفاه الاجتماعي» لهم بأفضل وبأسرع ما يكون، فضلا عن انشاء مشاريع البنى التحتية الحديثة.
وبدأت أدبيات التخطيط من الدراسات والتقارير ومشاريع الخطط تتدفق. وتوجت في عام 1967 بمشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الخمسينية الأولى (1967/1968 ـ 1971/1972) والتي أقرها مجلس الوزراء وأرسلها إلى مجلس الأمة الذي لم يفرج عنها حتى تاريخه، وتلتها مجلدات أدبيات التخطيط والتنمية من دراسات ومشاريع خطة ودراسات استشارية حظي مشروعان منها بشرف إصدارهما بقانون وباستكمال إجراءات الإعلان عنهما دستوريا بعد موافقة مجلس الأمة عليهما.
٭ الخطة الخمسية 1985/1986 ـ 1989/1990.
٭ الخطة الخمسية 2009/2010 ـ 2013/2014.
وإذا كتب على أدبيات التخطيط في الكويت أن تعيش في واد من الأوهام، فهذا لا يلغي الجهود التي بذلت في إعدادها ولا النوايا الحسنة التي حدت بالمخططين إلى إعدادها.
الخطة الأولى
لقد جاءت الخطة الأولى 1967 لتكون، وهي برأيي، الوحيدة التي جاءت بشمولية تحاكي قدر المستطاع متطلبات زمانها ولها عمق فكري غاب عن مشاريع الخطط التي تلتها، ويكفي دليلا أن ما تلاها من خطط ومشاريع خطط أنها كانت صدى لها بشكل أو بآخر.
تبنت الخطة الأولى (1967/1968) مجموعة من الاهداف والقضايا والمشاريع الوطنية والتي كررتها الخطط التي تبعتها ونذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
1 ـ السياسة السكانية
أبدى واضعي خطة 1967 شيئا من الامتعاض من الوضع السكاني للبلد لأن عدد المقيمين من غير الكويتيين فاق عدد المواطنين الكويتيين. إذ كشف تعداد السكان لسنة 1965 أن إجمالي السكان في الكويت بلغ حوالي 460.000 ألف نسمة منهم حوالي 220.000 ألف كويتي، فتكون نسبة المواطنين 47% ووصف المخططون حينها الوضع بأنه فريد (صفحة 101 من خطة التنمية للعام 1967).
وتبنت الخطط اللاحقة، ومنها خطة 1985 وخطة 2009، موضوع السياسة السكانية كأحد أهم قضاياها، وتحت عنوان تعديل التركيبة السكانية والتي شهدت اختلالات متتالية، فبلغت نسبة المواطنين الكويتيين عام 2008 نحو 31%، وسعت خطة 2009 الى تعديل هذه النسبة الى 34% مع نهاية العام 2014. وتشكو خطة 2009 من الزيادة السكانية الاجمالية غير المنضبطة، فتقول في ص26 «زيادة النمو المطلق لعدد السكان في الدولة من 2.217 مليون نسمة (عام 2000) الى 3.443 ملايين نسمة (عام 2008) اي بنسبة 55.3% خلال الفترة وبمعدل نمو سنوي بلغ متوسطه 6.9%. الامر الذي يضعف قدرات البنية التحتية ويستنزف الموارد المتاحة ويعرقل عملية التخطيط على المستوى البعيد». وتكشف الإحصائيات الرسمية أن الواقع العملي لم يتمكن من تحقيق شيء يستحق الذكر في هذا المجال. فتشير احدث المعلومات المنشورة على موقع الهيئة العامة للمعلومات المدنية إلى أن إجمالي عدد السكان الكويت في مطلع 2014 يفوق الأربعة ملايين نسمة منهم حوالي مليون وربع المليون مواطن، وبذلك تكون نسبتهم من جملة السكان حوالي 31.2%. فكان مسعى التخطيط شيء في هذا الموضوع وما تم على ارض الواقع شيء آخر بل ربما كان نقيضا له.
2 ـ الكويت مركز مالي
يكفي في هذا المقام الاقتباس التالي من وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الخمسية الأولى 1967 (ص51) «ولعل من الضروري السعي لجعل الكويت مركزا ماليا دوليا وذلك بتطوير خدمات السوق المالية وتدعيمها وتوسيع قدرة هذه السوق على تمويل التنمية الاقتصادية والعمليات المالية الخارجية بما في ذلك نشاط البنوك والتأمين والتجارة الخارجية.. الخ».
ثم توالت ادبيات التخطيط وآخرها خطة 2009 على تبني «الكويت مركز مالي» كهدف أساسي او استراتيجي. غير أن ما تحقق أبعد ما يكون مساعدا على التحول المطلوب هذا إذا لم يكن معرقلا له.ويستحق أن نتوقف هنا عند تقرير المؤسسة الدولية للتمويل (IFC) عن بيئة تسهيل انجاز مشاريع الأعمال 2014 لنكتشف حقيقة موقف بعض أجهزة الدولة وإدارتها ازاء تحويل الكويت إلى مركز مالي. فالكويت تأتي في مؤخرة الركب في مجموعة دول مجلس التعاون. فجاءت الإمارات بالمرتبة 23 دوليا والسعودية (24) تليها البحرين (46) ثم عمان (47) ثم قطر بالمرتبة 48، أما الكويت فتراجعت إلى المرتبة 104 دوليا بعد أن كانت في المرتبة 101 عام 2013. وليس لأي دولة بارقة أمل في أن تكون مركزا ماليا على أي مستوى كان ما لم تكن في مقدمة الصفوف في بيئة تيسير انجاز مشاريع الأعمال.
3 ـ الإطار السياسي والتخطيط الشامل
إن عملية التخطيط السليمة لا بد أن تتم ضمن إطار سياسي واضح المعالم متوافق عليه، ولهذا أفردت خطة العام 1967 مساحة لا بأس بها لمناقشة الموضوع وتبني اتجاه واضح المعالم أساسه أحكام دستور الكويت وبالذات المادة السادسة عشرة والتي تضمن نصها ما يلي: الملكية ورأس المال والعمل مقومات أساسية لكيان الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية، وهي جميعا حقوق فردية ذات وظيفة اجتماعية ينظمها القانون والمادة العشرون والتي تضمن نصها ما يلي: الاقتصاد الوطني أساسه العدالة الاجتماعية وقوامه التعاون العادل بين النشاط العام والنشاط الخاص وهدفه تحقيق التنمية الاقتصادية وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الرخاء للمواطنين وذلك كله في حدود القانون «لذلك فإن هدف زيادة الدخل القومي يجب أن يقترن بالضرورة بهدف حسن توزيع هذه الدخل على المساهمين في إنتاجه، وبذلك يكون الهدف العام الثاني من أهداف التنمية في المجتمع الكويتي هو: ضمان حسن توزيع الدخل القومي على المساهمين في إنتاجه، تحقيقا لمبدأ العدالة الاجتماعية وتأمينا لاطراد النشاط الاقتصادي وازدهاره» (ص 14).
ونكتفي بالتنويه عنهم في هذا المقام لأهميتهم ونأمل أن تسمح الفرصة بطرح الموضوع في مقام منفصل ولكن لا نستطيع إلا أن نشير إلى أن الخطط اللاحقة قد أغفلت تماما هذا الموضوع ولغته، كما اختفت مفردات مثل العدالة الاجتماعية، وتوزيع الدخل والوظيفة الاجتماعية للملكية ورأس المال والعمل وكذلك القطاع المشترك.
*وزير تخطيط سابق