Note: English translation is not 100% accurate
بزنس اقتصادي
الحي أصيب بداء الميت
6 يوليو 2014
المصدر : الأنباء
إعداد: منى الدغيمي
تعرض «الأنباء» زاوية يومية خلال شهر رمضان، يكتبها المسؤولون في القطاعات المختلفة كاستراحة يومية يتذكرون خلالها عبرا من الأزمة المالية في 2008 الأكبر تاريخيا والمستمرة تبعاتها حتى الآن، إذ يجيبون عن أسئلة حول ذكرى الأزمة والعبر الاقتصادية منها، والدروس التي تركتها فيهم.الأزمة تعني لمختص معمل اختبار مجاني صدق كل ما تعلمه نظريا، فالأزمة المالية العالمية الأخيرة هي استثناء من تاريخ الأزمات الطويل من حيث حجمها وامتداد أثرها الجغرافي، لذلك هي مماثلة فقط لأزمة الكساد العظيم في عام 1929. العامل المشترك ما بين الأزمتين هو سيادة فكر المدرسة الكلاسيكية «آدم سميث» في موقع الأزمتين أو الولايات المتحدة الأميركية والغرب الرأسمالي بشكل عام، وعناصر صناعة الأزمة هي ارتخاء النظم والقوانين بدعوى أن قطاع الأعمال سيحقق أفضل النتائج على مستوى الاقتصاد الكلي إذا ما تركت له حرية تحقيق مصالحة «اليد الخفية». أهم شواهد حتمية انفجار الأزمة هي مؤشرات من القطاع المالي على الإسراف في الإقراض والاقتراض لتمويل شراء سلع وأصول بعضها حقيقي ومعظمها ورق، مع اختلال كبير ما بين آجال استحقاقات الالتزامات ونضج تلك الأصول، أي اقتراض مكلف وقصير الأجل لمواجهة الالتزامات طويلة الأجل.
العبرة الاقتصادية من الأزمة هي دور الإدارة في استباق أضرارها، فرغم تشابه الحجم والمسببات لأزمتي 1929 و2008، أصابت الأزمة الأولى الاقتصاد العالمي في مقتل مثاله فقدان الاقتصاد الأميركي ثلث حجمه وربع عمالته في أربع سنوات، واستمرار آثار الأزمة 17 عاما وحرب عظمى حتى زالت، في الأزمة الحالية أدار العالم الأزمة بالإفادة التفصيلية من كل دروس الأزمة الأولى، وتداعت إدارته وتنادت بنوكه المركزية لأخذ كرسي القيادة، ولم يدفع العالم سوى نحو 0.6% من نمو اقتصادي سالب لسنة واحدة فقط، ومستوى بطالة بنحو ثلث معدلات بطالة الأزمة الأولى.
وما تعلمته شخصيا من الأزمة هو تعديل جوهري في طريقة التفكير، فالمؤكد الآن أن كل المدارس الاقتصادية الثلاث تمر بحقب ثلاث، الأولى مرحلة البناء على أخطاء الأخرى ومن ثم الانتعاش، والثانية سواد حالة من الرضى عن الأداء تؤدي إلى الترهل، والثالثة بلوغ مرحلة الانتكاسة ومن ثم السقوط بعدها. ذلك ما حدث للمدرسة الماركسية في الشرق والكينزية في الغرب بعد الكساد العظيم حتى ثمانينيات القرن الفائت، وذلك ما حدث للمدرسة الكلاسيكية على مستوى العالم بعد سقوط المدرستين السابقتين في ثمانينيات القرن الفائت.
ولكل الأزمات تكاليف، ولكن بعضها لابد منه وبعضها يمكن اجتنابه، وقد رأينا كيف أن إدارة الاقتصاد العالمي استطاعت اجتناب معظم تكاليف الأزمة بالمقارنة بما حدث بعد عام 1929. والإدارة الحصيفة هي من يتحكم في حجم الضرر قبل حدوثه وليست تلك التي تتعامل معه بعد حدوثه، وأزمة العالم المالية لم تكن أزمة الكويت بسبب حصافة إدارتها على مستوى العالم، وكانت ستصبح أزمة محلية كارثية لو أصاب العالم ما أصابه بعد أزمته الأولى، وأحد المؤشرات لاحتمالات تلك الكارثة كان هبوط أسعار النفط الكويتي من مستوى 127 دولارا للبرميل في يوليو 2008 إلى مستوى 37 دولارا في ديسمبر 2008. ولكن التعافي السريع لأسعار النفط إلى بلوغها أعلى من مستويات عام 2007 في عام 2010 وما بعد، أثبت بشكل قاطع أنها على المستوى المالي ليست أزمة الكويت، وضاعف من الأثر أزمة الربيع العربي وأزمة الغرب وإيران والتي أضافت علاوة مخاطر على أسعار النفط وبلغت بالإنتاج الكويتي إلى ما فوق الـ 3 ملايين برميل في اليوم.
وإذا استثنينا القطاع المصرفي، دفعت الكويت كل تكاليف الأزمة العالمية حتى بأعلى من دول الأزمة بسبب سوء الإدارة، والواقع أن ارتفاع مستوى الإيرادات انعكس في انفلات أكبر في السياسة المالية، وارتفاع كبير في مستوى البطالة المقنعة والسافرة، وانخفاض كبير في مستوى الخدمات الحكومية واستشراء الفساد، وكلها تعني تقويض لتنافسية الاقتصاد الكويتي بتعميق اختلالاته الهيكلية، وكلها تعني الابتعاد كثيرا عن الأهداف المعلنة لكل مشروع خطة تنمية سابق وأي مشروع خطة تنمية قادم، إنه تماما السير بعكس ما قامت به دول الأزمة.
وعلى مستوى سوق الأوراق المالية، هي أيضا تسير عكس الهدف المعلن بتحويل الكويت إلى مركز مالي، فالصراع على أشده للسيطرة على مؤسسات السوق، وقوانينه ونظمه غير مستقرة، وترك الميت والحي في شركاته حتى أصيب الحي بداء الميت. فالإقراض للشركات شبه متوقف لانحسار الثقة، والسيولة بالتبعية شحيحة، وسيولة السوق في أدنى حالاتها، وإن وجدت اتجهت في غالبيتها إلى الشركات الميتة، ومع أول عملية من قبل إدارات السوق للإصلاح، يبدأ الهجوم الشرس عليها في غياب أي ولاية للحكومة أو أي سلطات البلد الأخرى. لذلك تنحسر الثقة رغم الأداء المالي الجيد للدولة، ومع انحسار الثقة تتعاظم التكاليف بمرور الوقت ويكثر عدد الضحايا رغم أن الأصل هو حصر التكلفة في حدودها الدنيا.
وإذا كان الدرس الأهم الذي تعلمناه في الأزمة هو قراءة قصة نجاح دول الأزمة في حصر الضرر في الحدود الدنيا، فإن الدرس على المستوى المحلي هو قراءة كيف تمكنت الإدارة العامة المحلية من تعظيم الضرر إلى حدوده القصوى.جاسم السعدونرئيس مجلس إدارة الشال للاستشارات الاقتصادية