Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
النخبة الإسرائيلية وحصاد الحرب على غزة بين غطرسة القوة ومرارة الواقع
15 أغسطس 2014
المصدر : الأنباء
محمد البدري
مثلت نتائج العدوان الإسرائيلي على غزة صدمة غير مسبوقة للأوساط السياسية والعسكرية والشعبية الإسرائيلية، مقارنة بما أسفر عنه عدواني «الرصاص المصبوب» 2008، و«عامود السحاب» 2012.
فقد توالت ردود الأفعال المختلفة، رسميا وشعبيا، وانبرت المحافل السياسية والأمنية داخل إسرائيل في رصد جردة حساب لهذا العدوان، وما خلفه من تداعيات على المستويات الاقتصادية، والأمنية، وحتى الاجتماعية والنفسية.
فعلى صعيد الرأي العام الإسرائيلي، أظهرت استطلاعا للرأي أجرته القناة العاشرة بالتلفزيون الإسرائيلي قبل أيام، أن حوالي 77% من الإسرائيليين يعتبرون عملية «الجرف الصامد» قد فشلت، ورأى 37% انها أدت لمزيد من تدهور أمن المدن الإسرائيلية مقارنة بما كانت عليه قبل العدوان، فيما عبر نحو 54% عن رغبتهم الشديدة في تشكيل لجان تحقيق في فحص سلوك وتصرفات القيادة السياسية والعسكرية قبل العملية وأثنائها.
كما أظهرت استطلاعات الرأي تراجعا واضحا في شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث عبر 62% عن تأييدهم له مقارنة بنحو 80% مع بدء «الجرف الصامد».
ارتباك سياسي
أما على صعيد النخبة الرسمية، فقد سيطرت على الخطاب السياسي للمسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، على مختلف مستوياتهم، لغة الغطرسة والارتكان إلى القوة وإنكار الفشل في العدوان على غزة، بل والتأكيد على أن ضرورة مواصلة العمل العسكري حتى نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وبخاصة حركة «حماس».وواقع الحال ان هذا السلوك يمكن تفسيره باعتباره امتدادا للنهج الإسرائيلي التاريخي في رفض الاعتراف بالهزيمة رغم مؤشراته العملية، وتبرير الواقع بوجود قوة ردع فيما يعرف بـ «غطرسة القوة».غير ان إنعام النظر في السياق النفسي والسلوك الانفعالي للقادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يظهر حالة «الارتباك» الواضحة في دوائر صنع واتخاذ القرار داخل حكومة نتنياهو، وذلك على النحو الذي ظهر به نتنياهو نفسه ووزير دفاعه موشيه يعلون خلال مؤتمراتهما الصحافية المقتضبة عن العدوان.
وقد يؤكد هذا الاستنتاج، أن كلا من نتنياهو ويعلون كانا أقل حدة عند الحديث والاغترار بالقوة العسكرية في مواجهة المقاومة الفلسطينية مقارنة بوزراء آخرين مثل وزير الخارجية افيغدور ليبرمان مثلا، الذي تبنى خطا سياسيا متطرفا وصل إلى حد الدعوة لإعادة احتلال غزة، وربما يجد ذلك تفسيره في سعي ليبرمان لاستثمار المناخ الحالي لأغراض انتخابية وكسب أرضية شعبية استعدادا لانتخابات برلمانية مبكرة قد تكون بات على الأبواب، فيما يمكن تفسير سلوك نتنياهو ويعلون بكونهما الأكثر دراية بحجم الانتكاسة السياسية والعسكرية التي منيت بها إسرائيل نتيجة جرفها الذي أظهرت معطيات الواقع أنه لم يكن أبدا اسما على مسمى.
وقد أسهم هذا الأداء المرتبك لحكومة نتنياهو، في تقوية شوكة المعارضة ممثلة في حزب العمل، حيث وصف زعيمه إسحاق هيرتسوغ، نتنياهو بأنه «لا يعرف ماذا يريد من الحرب في غزة»، في إشارة إلى ارتباكه السياسي، وغموض خططه العسكرية والميدانية».
معطيات واقعية وطرح عقلاني
أما على صعيد النخبة الإسرائيلية غير الرسمية، من السياسيين والعسكريين المتقاعدين، فقد بدت الصدمة من نتائج العدوان على غزة واضحة بالنسبة لهم، حيث كانوا أكثر واقعية وعقلانية في تقييم المعطيات العسكرية على الأرض.
ومن ثم، وجهت هذه النخبة انتقادات واسعة للأداء السياسي والعسكري لحكومة نتنياهو، قبل وخلال عملية «الجرف الصامد» على السواء، لاسيما فيما يتصل بالفشل الاستخباراتي، وقرار سحب القوات الإسرائيلية الى خارج غزة من جانب واحد قبل وقف إطلاق النار بشكل دائم، وغياب الشفافية في حجم الخسائر البشرية والمالية والاقتصادية للعدوان، والافتقار للتماسك والتنسيق مع القوى السياسية الفاعلة.
كما تبنت النخبة غير الرسمية رؤى وأطروحات للتعامل مع مرحلة ما بعد حرب غزة الثالثة، وخاصة فيما يتصل بضرورة إعادة النظر في مرتكزات الردع الإسرائيلية، وإعادة هيكلة بنية الجيش ومنظومات تدريبه وتسليحه، إضافة إلى الدعوة لتشكيل لجان تحقيق وتقييم لأداء الحكومة خلال هذه الحرب.
صفوة القول: إن حكومة نتنياهو أصبحت، على الأرجح، في أيامها الأخيرة، كما تظهر التجربة التاريخية للصراع العربي الإسرائيلي، من انه في أعقاب كل هزيمة عسكرية أو سياسية خارجية لإسرائيل يكون هناك حكومة جديدة، ما يعني أن بنيامين نتنياهو قد يضطر إلى الدعوة لانتخابات مبكرة، عقب تسوية ملف الحرب، وهو الأمر الذي يثبت أن غطرسة القوة الإسرائيلية المتوهمة لن يكون بوسعها ان تصمد طويلا أمام معطيات واقع ما بعد العدوان على غزة ومرارته.