Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
هل تنازلت إيران وخسرت في العراق؟ أم انخرطت في تفاهمات وترتيبات شاملة؟
20 أغسطس 2014
المصدر : بيروت

قيام الدولة الإسلامية على جزء من العراق وسورية وطرفها حدود لبنان لم يغير قواعد اللعبة فحسب، بل فرض مقاربات سياسية مختلفة وتبدلا في الاستراتيجيات. فليس قليلا أن يعود الأميركيون الى التدخل العسكري من الباب الجوي الضيق بعدما انسحبوا من الباب البري الواسع، وليس قليلا أن يتخلى الإيرانيون عن المالكي ويعيدوا صياغة سياستهم، وأما التقييم السياسي لهذه التطورات ونتائجها وموقع إيران فيها وحسابات الربح والخسارة، فإنه يدور بين حدين ويتمحور حول مسألتين:
٭ الأول يتناول موقع إيران في الأحداث وما آلت إليه سياستها وأوضاعها، ويتحدث عن خروج إيران خاسرة و«جريحة» من هذه الجولة والأحداث التي داهمتها وأظهرت بداية خروج الوضع عن سيطرتها. فالتخلي عن نوري المالكي، حتى ولو تم إبداله بشخصية شيعية ومن حزب الدعوة، يعني التخلي عن رجلها الأول في العراق والرضوخ لرغبات خصومها من السنة والأكراد، ويعني أن ثمة شركاء جددا في إدارة اللعبة لا يمكنها بعد اليوم تجاهلهم. فاستراتيجية إيران بالإشراف المباشر على إدارة اللعبة السياسية والأمنية في العراق بدأت تتصدع والتحالف الذي ضمن لها إحكام قبضتها في حكم البلاد والتحكم بقراراتها اهتز وكاد يسقط.
إن إزاحة المالكي وإحلال العبادي محله كان محاولة أخيرة للملمة أوضاع العراق وإعادة ترتيب أوراقه. وكون العبادي من حزب الدعوة فإنه يخفف الخسارة الإيرانية ولكن لا يلغيها، إذ لم يعد بين طهران والسنة في العراق علاقة أكثر من «شعرة معاوية». لن تستطيع طهران وضع السنة العراقيين تحت «عباءتها». أما الأكراد، فإن على طهران الحذر كثيرا في تعاملها معهم، بعدما كشف البارزاني عن مشروع الانفصال والدولة المستقلة.
وباختصار، تخلي طهران عن المالكي مؤشر الى إعادة تموضع. وفي السياق نفسه يمكن إدراج الموقف العنيف الذي شنه الرئيس حسن روحاني قبل أيام على خصومه في تيار المتشددين الذين وصفهم بـ «الأغبياء»، وذكرهم بأن الشعب الإيراني مل سياسة التطرف. ويمكن أيضا إدراج التغيير الحاصل في طهران مع تعيين وزير الدفاع الإيراني السابق علي شمخاني كمستشار رئيسي للمرشد الأعلى السيد خامنئي.
٭ الثاني هو الحديث عن ترتيبات وتفاهمات شاملة في المنطقة دفعت إليها متغيرات العراق، وعن مناخات جديدة بين إيران والدول الإقليمية قابلة للتطور والاتساع. وفي هذا التحليل أن ملامح صفقة بدأت ترتسم في الشرق الأوسط برعاية دولية، وأن اتفاقا قد تم بين العواصم الدولية والإقليمية الفاعلة لإعادة ترتيب الوضع في المنطقة بعدما أدرك الجميع أن خطر «داعش» والإرهاب لن يبقى محصورا في نطاق الشرق الأوسط وإنما سيمتد الى كل الأرجاء بدءا من أوروبا. وهذه الصفقة بدأت في العراق حيث يتم إنتاج سلطة جديدة لا تلتزم سياسة المحاور ويكون لها علاقة طيبة مع دول الخليج وتعمل على إخراج العراق من خريطة المحاور وتركيز الجهود على إدخاله في محور محاربة الإرهاب للقضاء على «الدولة الإسلامية». وبالتالي فإن إعادة ترتيب البيت العراقي هو ثمرة تفاوض إقليمي متعدد الأطراف أنتج دينامية سياسية جديدة في المنطقة وتفاهما سعوديا ـ إيرانيا برعاية أميركية.
كيف للحدث العراقي بتشعباته الإيرانية والسعودية أن ينعكس على لبنان؟ هل دخلت المنطقة زمن التسويات؟ وهل يكون لبنان جزءا من هذه «الصفقة»؟ هل دخلت إيران زمن التنازلات، وبعدما خسرت رجلها في العراق هل تبدي مرونة في لبنان، وهل تتنازل في سورية؟
تتنوع الإجابة عن هذه التساؤلات في لبنان وتختلف مع اختلاف المصادر المسندة إليها:
1- الأوساط القريبة من 8 آذار ومن حزب الله تحديدا تتحدث عن «أسئلة ساذجة وانتصارات وهمية» تطرح في بيروت من قبل قيادات 14 آذار، وتقول إن إيران لم تخسر ولم تتنازل لتمرير الصفقة العراقية. فالعبادي لا يختلف عن المالكي في قربه من طهران التي اختارته بعدما احترقت أوراق المالكي وصار عبئا يصعب تسويقه داخليا وخارجيا، وبات عامل انقسام بين الشيعة ومرفوضا من المرجعية الدينية العليا (السيستاني). واختيار العبادي لم يكن بالأمر السهل، والرهان على وهن إيراني سيؤدي الى تنازلات في المنطقة ليس واقعيا، فطهران لم تخسر في العراق وإنما تعاملت بأسلوبها «البراغماتي» المعهود في إدارة الأزمات.
وانطلاقا من هذه المعطيات فإنه سيكون من الخطأ قياس ما حصل في العراق على ما يجري في سورية ولبنان، ومن يتوهم أن الرئيس السوري سيخرج من المشهد السياسي السوري، من ذات البوابة التي خرج منها المالكي من المشهد العراقي، سيكتشف أن ما حصل في العراق سيقوي موقف النظام في دمشق، ولن يضعفه. ومصير الاسد لم يعد قابلا للنقاش في طهران، وقد حسمت هذه المسألة عندما أجريت الانتخابات الرئاسية السورية. أما الساحة اللبنانية فهي الأقرب الى حصول «التسويات» في ظل رغبة الأطراف الإقليمية والدولية في استمرار فاعلية شبكة الأمان الموجودة راهنا.
2- الأوساط القريبة من 14 آذار تستبعد أن تؤدي التفاهمات التي أطاحت نوري المالكي الى إفراج الإيرانيين عن الاستحقاق الرئاسي، وتعتبر أن ما يصح في العراق قد لا يصح في لبنان، لأن الوضع هناك بلغ حافة الهاوية، وان تغيير المالكي برئيس حكومة آخر من فريقه السياسي انما حصل تحت النار، وفي وقت تمددت فيه «داعش» على ثلث مساحة العراق. أما في لبنان فقد توقفت التفاهمات عند نقطة التهدئة وتشكيل حكومة الرئيس تمام سلام، ولم تتعدها الى الاستحقاق الرئاسي الذي يبقى معلقا. وبالنسبة الى لبنان، لا يبدو أحد في عجلة من أمره، والحكومة الحالية معقولة ومقبولة الى حد بعيد.
إن ظروف تراجع طهران في العراق مختلفة عن توقع هذا التراجع في لبنان بالنسبة إلى الرئاسة لأن الخريطة السياسية الداخلية في العراق فرضت العودة عن التمسك بالمالكي. فطهران ضربت بعرض الحائط التمرد السني على استفرادها عبر المالكي بسلطة القرار، لكنها لم تستطع الصمود في موقعها هذا أمام موقف القيادات الشيعية، سواء المرجعية الدينية أو الأطياف السياسية المعارضة تلك السياسة. إضافة إلى هذا الأمر، فإن استقلالية المرجعية الشيعية النجفية عن مرجعية طهران مازالت ضعيفة في لبنان سياسيا ودينيا، في ظل سيطرة حزب الله، عند مكونات سياسية شيعية على الولاء لإيران وسياستها له حسابات أخرى في لبنان. ويضاف الى كل ذلك أن حسابات الرئاسة في لبنان مختلفة عن التركيبة في العراق، وهي تتصل بالميدان السوري ـ اللبناني. ومادام إبقاء ترشح العماد عون معلقا، ومعه مصير الرئاسة في لبنان، لا يعاكس السياسة التي تتبعها إيران في سورية، فإنها لن تعدل موقفها، خصوصا أنه لا مؤشرات إلى أنها ستتخلى عن الأسد كما تخلت عن المالكي.
3- بين هذا (8 آذار) وذاك (14 آذار)، رأي ثالث أكثر التصاقا بالتطورات وأبعادها الإقليمية يرى أن الاتفاق بين إيران والدول الإقليمية سرّعته التطورات العراقية ثم دخول «داعش» على الخط. والتفاهم الإيراني ـ السعودي برعاية أميركية هو المدخل من أجل فهم الدينامية الجديدة التي سنراها في المرحلة القادمة، وسيفتح المجال لتفاهمات متتالية: أولها في لبنان، ثم في سورية حيث الأزمة أكثر صعوبة وتعقيدا لتنسحب بعدها على القضايا الإقليمية الأخرى. والملف اللبناني قد تقدم الى المرتبة الأولى من حيث الأهمية بعدما كان ثانويا منذ بضعة أشهر، وليس التمديد لسفير السعودية في بيروت علي عواض عسيري إلا مؤشرا الى بدء العمل الجدي على مسألة انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، وإن كان الأمر سيتطلب وقتا وجهدا.