Note: English translation is not 100% accurate
أكد أن السماحة والعلم لا يلتقيان مع التطرف
مفتي لبنان: يقتلون باسم الدين والمذهب من أجل السطوة
3 يناير 2015
المصدر : الأنباء

وحدنا بعيشنا المشترك وبتجربتنا الطويلة في القدرة على التحاور والتوافق قادرون على الخروج من المأزقبيروت ـ خلدون قواص
رأى مفتي لبنان الشيخ عبداللطيف دريان ان لبنان في ازمة تتفاقم بسبب الصراع في الجوار الملتهب وتأخر انتخاب رئيس للجمهورية وتردي الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وقال في رسالة له بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف ان وطننا ونظامنا السياسي مهدد، ويدعي القريب والبعيد الحرص على اخراجنا من المأزق، ونحن وحدنا بعيشنا المشترك، وبتجربتنا الطويلة في العيش معا، وفي القدرة على التحاور والتوافق، مهما تفاقمت الخلافات، نحن وحدنا القادرون بالإرادة الحرة والقوية، على تنظيم امور الخروج من المأزق، وأي تأخر او تردد او رهان سيزيد من صعوبات الوصول الى حلول تنقذ لبنان واللبنانيين.
وأضاف: في ذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، وعيسى رسول المحبة يكون علينا الاعتراف بأن هذا الداء العياء، داء القتل باسم الدين والمذهب، نازلة كبرى، كادت البشرية تنساها، حتى ذكر بها بعض المعاصرين في شرقنا، نعرف ان الطغيان السياسي قتل ويقتل، ونعرف ان العصبيات القومية قتلت وتقتل، لكن الجديد علينا، وربما على العالم، هذا القتل الذريع باسم السنة والشيعة، وباسم احقاق هذا المذهب او ذاك، او اقامة هذه الدولة القاتلة او تلك، ويعتذر كل طرف بأن الآخر هو البادئ او هو المعتدي، ما كانت دعوة نبينا الا دعوة للحياة بالرحمة والتراحم، وبالعيش المشترك بل الواحد، فكيف صارت دعوة الكرامة الانسانية هذه، داعية ـ ومن جانب بعض شبابنا وأحزابنا ـ للقتل والموت، وباسم ماذا؟ باسم التكفير المتبادل، والإهلاك المتبادل، القتلة باسم الدين والمذهب، ومن اجل السطوة والغلبة معروفون وهذه حروب داخلية وأهلية لا غلبة فيها لأحد، بل هي بمثابة هلاك جماعي.
ولابد هنا من القول ان جسد الأمة اليوم يعاني من شكاوى وجراحات هائلة، وهي شكاوى وجراحات تشعر واقعا بأن هذا الذكر الذي اخبرنا الله سبحانه وأنذرنا بأننا نحن قوم النبي مسؤولون عنه، يتطلب الاسراع في النظر والمراجعة والمعالجة.فقد حلت محل التضامن والمودة العداوات والقتل والقتال، وحل محل الوحدة التسارع الى الشرذمة والفرقة، وكل قوم بما يقومون به من مشاركة في هذه المقتلة الهائلة، فرحون ومعتزون ومصرون على الاستمرار، ومؤمنون بالانتصار، وعلى من؟ على انفسهم وبني قومهم وأبناء جلدتهم، في الوعد الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان المؤمنين ببشارته لهم فضل كبير: فهل يكون الفضل بالقتل؟ وهل يكون الفضل بإهلاك المجتمعات والاوطان والإنسان؟ ماذا نقول لقرآننا ونبينا عن زهاء الخمسة عشر مليون مهجر في سورية والعراق وليبيا والسودان واليمن والصومال؟ لا يجد اطفالهم ونساؤهم وشيوخهم ملاذا ولا كساء ولا غذاء في هذا الشتاء القارس، بل ماذا نقول عن نصف مليون قتيل عربي في اقل من خمس سنوات؟ وأكثر من مليون مصاب، وبلدان تهلك، ودول تتحطم، ومعظم ما يحصل ان لم يكن كله بأيدي عرب ومسلمين؟ يذكرهم القرآن بقوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) «سورة الانبياء ـ الآية 92».
لقد اعتدنا على الصراخ، ان القدس يضيع، والشعوب تهلك، والعالم يتفرج، ولكن اين مسؤوليتنا نحن الذين صرنا نخيف العالم، ونخافه، ثم نعجز عن وقف سيول الدم والخراب، في غياب العالم او حضوره؟
لقد أخبرنا القرآن الكريم ان هناك امرين اثنين، لا يصبر عليهما اي انسان مهما بلغ به الضعف والهوان: القتال والقتل باسم الدين او على الدين، والتهجير من الديار، قال عز وجلّ: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، (سورة الممتحنة: الآية 8)، وهذان الأمران يحدثان عندنا بالضبط في السنوات الأخيرة: يقتل أحدنا الآخر باسم الدين، أو يهجره من بيته ومزرعته ووطنه من أجل الغلبة والسيطرة والطغيان، كما يفعل الصهاينة في فلسطين، وفي الحالتين: الدين والاستيطان!
ان الحديث العام هذا ليس المقود به تجهيل الفاعل حتى لا يزعل أو يغضب أحد، فالمتقاتلون معروفون. والقتلة باسم الدين والمذهب، ومن أجل السطوة والغلبة معروفون. وهذه حروب داخلية وأهلية لا غلبة فيها لأحد. بل هي بمنزلة هلاك جماعي، والآية القرآنية في النهي عن القتل من أجل الدين أو الاستيلاء على الديار، كان سبب نزولها الضرب على أيدي الذين يفعلون ذلك من المسلمين تجاه ذوي الدين المختلف، أو ديار النزاعات. إن القرآن الكريم يطلب منا اتباع نهج البر والقسط في الحالتين. والبر هو المودة والتعامل الحسن. والقسط هو العدل والإنصاف. فيأيها الاخوة الاعداء، وبمناسبة المولد النبوي، هذا نداء قرآني بل أمر قرآني بأن تتبعوا تجاه الآخرين، وتجاه أنفسكم نهج البر والسقط، نهج المودة والعدل: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يُلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). صدق الله العظيم.
واعلن مفتي الجمهورية في صلاة الجمعة التي أمها في المسجد المنصوري الكبير في طرابلس عدم التقاء السماحة مع الإرهاب، ولا العلم مع التطرف، وقال: ان تكون لبنانيا وطرابلسيا يعني أن تكون قويا في إيمانك.
وأضاف: لقد عانت طرابلس كثيرا، وعانت طويلا، وهي لاتزال تعاني الإهمال والحرمان، ولاتزال تدفع غاليا ثمن التحريض على الفتن المصطنعة، وتشويه السمعة الحسنة.
لم توف طرابلس حقها كعاصمة لبنان الثانية، بل لم توف حقها كمدينة كبرى لها تاريخها الحافل، ولها أصالتها المشرقة، ودورها الرائد في العمل الوطني وفي الثقافة العربية والإسلامية.
إن من حق طرابلس علينا جميعا، أن نعمل على رفع الظلم عنها، حتى تعود الى ممارسة دورها التاريخي، الذي يُعتز به ونعتز به جميعا، مدينة للعلم والعلماء، ومنبرا حرا للرأي السديد، وواحة للاعتدال والسماحة والعيش المشترك.
لا يمكن أن يلتقي العلم مع التطرف، ولا الفكر مع الإلغاء، ولا يمكن أن تلتقي السماحة مع الإرهاب، ولا العيش المشترك مع رفض الآخر.
لقد علمنا الإسلام أن ندعو في صلاتنا، بل في كل ركعة من كل صلاة نؤديها لله تعالى، ندعو الله أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
إن المغضوب عليهم هم الذين تخلوا عن صراط الله المستقيم، وان الضالين هم الذين تطرفوا وتنطعوا وغالوا في دينهم حتى ضلوا عن صراط الله المستقيم.