Note: English translation is not 100% accurate
شهر الانتصارات
يوم القادسية يوم من أيام الله «2-2» رستم والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه
23 يونيو 2015
المصدر : الأنباء
لما رأى رستم ما رأى من ربعي بن عامر رضي الله عنه أرسل إلى سعد رضي الله عنه يطلب رجلا آخر ليرى هل هؤلاء القوم كلهم على وتيرة واحدة أم لا؟، فأرسل له سعد رضي الله عنه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، لكن رستم غير من لهجته، فأظهر حدته وأبدى غضبه وثورته، فقال أول ما قال للمغيرة : «إنما مثلكم في دخول أرضنا مثل الذباب رأى العسل فقال من يوصلني إليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص، فلم يجده، فجعل يقول من يخلصني وله أربعة دراهم؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم، فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا، فجاء بجيشه، واستعان عليه بغلمانه، فذهب ليخرجه فلم يستطع لسمنه، فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا، وقد أعلم أن الذي حملكم على هذا معشر العرب الجهد الذي قد أصابكم فارجعوا عنا عامكم هذا، فإنكم قد شغلتمونا عن عمارة بلادنا، وعن عدونا، ونحن نوفر لكم ركائبكم قمحا وتمرا، ونأمر لكم بكسوة، فارجعوا عنا عافاكم الله.
فقال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: «لا تذكر لنا جهدا إلا وقد كنا في مثله أو أشد منه، أفضلنا في أنفسنا عيشا الذي يقتل ابن عمه، ويأخذ ماله فيأكله، نأكل الميتة والدم والعظام، فلم نزل كذلك حتى بعث الله فينا نبيا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه الكتاب، فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدقه منا مصدق، وكذبه منا آخر، فقاتل من صدقه من كذبه، حتى دخلنا في دينه، من بين موقن به، وبين مقهور، حتى استبان لنا أنه صادق، وأنه رسول من عند الله، فأمرنا أن نقاتل من خالفنا، وأخبرنا أن من قتل منا على دينه فله الجنة، ومن عاش ملك وظهر على من خالفه، فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله، وتدخل في ديننا، فإن فعلت كانت لك بلادك، لا يدخل عليك فيها إلا من أحببت، وعليك الزكاة والخمس، وإن أبيت ذلك فالجزية، وإن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك».
قال له رستم: «ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع منكم هذا معشر العرب، لا أمسي غدا حتى أفرغ منكم وأقتلكم كلكم».
أرأيت كيف كان رد المغيرة رضي الله عنه أمام هذه التهديدات، وتلك الإغراءات، لقد قابل تهديداته باستهزاء، وإغراءاته بإعراض، ولم ينس أن يعرض على رستم دعوة الله، فلما أصر رستم على عناده واستكباره، وجهز جيشه وجنده، كان جزاؤه القتل، وكان ذلك على يد هلال بن علفة التيمي.
سعد رضي الله عنه وسلمى
كان اختيار سعد رضي الله عنه لهذه المعركة قائدا هو قرار الفاروق عمر رضي الله عنه، هو وأبو عبيدة رضي الله عنه، وقيل يومها الأسد في براثنه، غير أن سعدا رضي الله عنه كان قد أصيب بجروح ملأت قروحها، فخذيه، وإليتيه، فكان رضي الله عنه يدير المعركة من مكان مرتفع، فلما رأته زوجته سلمى، وكانت قبله عند المثنى بن حارثة، فلما توفي، وقضت عدتها تزوجها سعد رضي الله عنه، فلما جالت الخيل ورأت سلمى ما رأت، قالت: وامثناه ولا مثنى لي اليوم، فضربها سعد رضي الله عنه واعتذر للناس لما لاموه على عدم حضور المعركة، فقد قال أحدهم:
نقاتل حتى أنزل الله نصره
وسعد باب القادسية معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة
ونسوة سعد ليس فيهن أيم
فلما أراهم سعد رضي الله عنه ما به من القرح عذره الناس، وأيم الله إن سعدا رضي الله عنه لم يكن ليجبن أو ليترك المعركة، وهو أول رام في الإسلام، وأول من أسال دما في الإسلام.
ولكن ألا ترى إلى غيرة المرأة على دين الله، وكيف تستحث زوجها ليخوض غمار المعركة، ولم تكن سلمى وحدها، بل كان نساء عصرها كلهن كذلك.
أبو محجن رضي الله عنه والبلقاء
كان أبو محجن قد حبسه سعد رضي الله عنه عند زبراء أم ولد سعد رضي الله عنه، لشربه الخمر، فلما سمع أبو محجن رضي الله عنه صهيل الخيل، وقعقعة السيوف، خاطب زبراء قائلا: يا زبراء أطلقيني ولك علي عهد الله وميثاقه، لئن لم أقتل لأرجعن إليك حتى تجعلي الحديد في رجلي.
وكان مما قال رضي الله عنه:
كفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا وأترك مشدودا علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت مصاريع دوني لا تجيب المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة فقد تركوني واحدا لا أخايا فأطلقته زبراء وحملته على فرس لسعد يقال له البلقاء، وخلت سبيله، فجعل رضي الله عنه يشد العدو شدا، وسعد رضي الله عنه ينظر إليه ويقول الضرب ضرب أبي محجن والكر كر البلقاء، فلما أن فرغوا من القتال، وهزم الله جموع الفرس، رجع أبو محجن إلى زبراء وفاء بوعده بعد أن أرضى ربه بقتال عدو الله، ووفاء بوعده لزبراء، فأدخل رجله في قيده، فلما نزل سعد رضي الله عنه من رأس الحصن رأى فرسه تعرق، فعرف أنها قد ركبت، فسأل عن ذلك زبراء فأخبرته خبر أبي محجن فأخلى سبيله.
إن أبا محجن رضي الله عنه وقع في ذنبه هذا، لكنه لم يلبث أن ندم على فعله، ولقد تحرك الإيمان في قلبه، حتى بدت الحسرة عليه وهو مقيد في وقت يحتاج فيه الإسلام إلى نصرته، ولست أدري من أي المواقف نعجب؟ من حرقة أبي محجن على الإسلام، أم من صدقه ووفائه بعهده ووعده مع زبراء؟ أم من إخلاص الرجل ورضائه بأن يكون في القيد بعد قتاله، ولا يعلن عن موقفه حتى علم به سعد رضي الله عنه، وإن هذه لدلالة رائعة على أن كل إنسان مطالب بنصرة هذا الدين، وأن صاحب المعصية لا تعفيه معصيته من نصرة دين الله جل وعلا.