Note: English translation is not 100% accurate
معارف.. بقلم: خالد الخراز
7 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
الاعتبار
حوى الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الكثير من المواعظ والعبر، وفيه عبرة لمن اعتبر، ومزدجر لمن وعى وادكر، وكفاية لمن تفكر في آياته وتدبر، وذكرى لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد.
قال تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار.. الحشر: 2) في الآية الكريمة توجيه النظر إلى من فعل ما فعل فعوقب بما عوقب به، فتجنبوا مثل صنيعهم لئلا ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك.
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو المسلم إلى الاعتبار بالمشاهدات ومن ذلك قول الله تعالى: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.. آل عمران: 13).
وقال سبحانه: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون.. البقرة: 164).
فالآية في السماوات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها وسعتها وما ترى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات، واختلاف الليل والنهار. أي: تعاقبهما في الذهاب والمجيء يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه واختلافهما في النور والظلمة والزيادة والنقصان. وهذه الفلك التي تجري في البحر يعني السفن في تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة لا ترسب تحت الماء (بما ينفع الناس) يعني ركوبها والحمل عليها في التجارة والمكاسب وأنواع المطالب، وما أنزل الله من السماء من ماء يعني المطر يخلق الله تعالى الماء في السماء، ثم ينزل من السماء إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض (فأحيا به) أي بالماء (الأرض بعد موتها) أي بعد يبوستها وجدوبتها (وبث فيها) أي فرق فيها (من كل دابة وتصريف الرياح) تصريفها أنها تارة تكون لينا وتارة تكون عاصفا وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة (والسحاب المسخر) أي الغيم المذلل سمي سحابا لأنه ينسحب أي يسير في سرعة كأنه يسحب أي يجر (بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقا وصانعا.
وقال عز وجل (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم. هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار.. الحشر: 13).
وهناك اعتبار بالمرويات قال تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.. يوسف:111]، وقال الله جل شأنه: (هل أتاك حديث موسى. إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى. اذهب إلى فرعون إنه طغى. فقل هل لك إلى أن تزكى. وأهديك إلى ربك فتخشى. فأراه الآية الكبرى. فكذب وعصى. ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى.. النازعات: 15-26).
مجموعة من آيات من القرآن الكريم اخترناها من بين آيات كثيرة كلها تدعونا كي نعتبر وذلك لما في الاعتبار من فوائد عظيمة تعود على كل معتبر من الناس.
والاعتبار هو التدبر وقياس ما لم يحصل على ما حصل وهو الاتعاظ بالذي نراه إن دققنا النظر في جميع شؤون حياتنا. وخلاصته أن نتجنب ما يؤذينا في الدنيا والآخرة بعد أذى غيرنا، وأن نعرف أن الدنيا فانية وكل من عليها فان، فعلينا إن أردنا النجاة ألا نتمسك بما يفنى ونتصرف في حياتنا الدنيا على أن بقاءنا مؤقت وعمرنا محدود، وعلينا أن نعتبر بما جرى لغيرنا من خير، كي نأخذ به وبما جرى لغيرنا من شر، كي نتجنبه وذلك لقصر العمر الذي نقضيه على هذه الأرض فهو لا يتسع لنا كي نأخذ العبرة مما يحصل معنا فلابد من الاعتبار بما يحدث للغير من خير وشر.
قال الناظم:
في كل شيء عبرة لمن عقل
قد يسعد المرء إذا المرء اعتدل
إخواني: الدنيا دار عبرة فإذا ما وقع فيها سرور فإننا لا نأمن أن يأتي بعده حزن، ودوام الحال من المحال أين من عاشرناه كثيرا وألفنا، أين من ملنا إليه بالوداد وانعطفنا، مضوا جميعا وكأنهم ما كانوا، وعزاؤنا فيهم أنهم السابقون ونحن اللاحقون بهم إن شئنا أو أبينا.
أما ضر أهله التسويف، وها نحن قد سوفنا. فأين منا الاعتبار؟
ومن الأحاديث الدالة على الاعتبار ما رواه مسلم «1022 عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال رجل: لأصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون. تصدق الليلة على زانية. قال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون. تصدق على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون. تصدق على سارق. فقال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق. فأتي، فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت. أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعف بها عن سرقته».