Note: English translation is not 100% accurate
الخوارج.. بقلم: د.يعقوب يوسف الغنيم
31 أكتوبر 2015
المصدر : الأنباء

بقلم: د.يعقوب يوسف الغنيم
يتردد حديث الناس في هذه الأيام ـ كثيراً ـ عن الخوارج، وهي فئة مرّ ذكرها في التاريخ الاسلامي، وكان لها دور في إثارة الفرقة بين المسلمين، بسبب الافكار التي تبناها هؤلاء وسيطرت عليهم حتى رأوا أنفسهم أنهم على صواب وأن غيرهم من المسلمين خلاف ذلك، وهذا على الرغم من ان الفئة المقابلة لهم فيها كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة الخليفة الراشد الرابع سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويكفي موقف هؤلاء الخوارج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاندتهم لهم والحكم عليهم بالضلال والبعد عن الهداية، وكيف تأتي الهداية الى قوم يرمون المسلمين الأوائل بالكفر، ويعتبرون أنفسهم المسلمين دون غيرهم، بل استحلوا الدماء، وعاثوا في الأرض فساداً وشغلوا الدولة الاسلامية، وهي في بدايتها، عن النهوض بالأعمال التي ينبغي ان تقوم بها في سبيل نشر الاسلام، ورفع الرايات الاسلامية في كل مكان.
وهذا حديث عن هؤلاء نبدؤه بما يلي:
كتاب «الكامل في اللغة والنحو والتصريف»، كتاب كامل في بابه، ألفه الإمام أبوالعباس المبرد، وقد عاش هذا العالم في القرن الثالث الهجري، وتوفي قبل نهاية هذا القرن، وله عدة مؤلفات، هذا الكتاب الذي ذكرناه هو أبرزها، وقد طبع في عدة طبعات، منها طبعة صدرت بتحقيق الدكتور زكي مبارك، ونشرت في سنة 1943م، وقد جعلها المحقق في ثلاثة مجلدات.
الداعي الى ذكر الكتاب ومؤلفه ومحققه هو ان المجلد الثالث منه قد ضم معلومات مهمة عن «الخوارج»، الذين برزوا منذ عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكانت له مواقف كثيرة معهم، وقد حرص على ردهم الى الطريق السليم، لكنهم كانوا حريصين على المخالفة، وتغليب رأيهم على الآراء التي ينبغي ان يتمسك بها كل مسلم، وللخوارج بذرة ظهرت بداياتها منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كتب الاحاديث ما يدلنا على ذلك، فقد جاءت في صحيح البخاري وصحيح مسلم احاديث معبرة عن تحذير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من شر أولئك الذين سوف يأتي دورهم في المستقبل، ومن ذلك ما رواه الصحابي الجليل أبوسعيد الخدري رضي الله عنه اذ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
وفي حديث طويل رواه أبوسعيد الخدري أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى من علي بن أبي طالب ذُهَيْبَة فقسمها بين أربعة هم: بين الاقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وبين عيينة بن بدر الفزاري، وبين زيد الطائي ثم أحد بني نبهان، وبين علقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار وقالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا. فقال: «انما أتألفهم» فأقبل رجل غائر العينين ومشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية، محلوق «شعر رأسه» فقال: اتقِ الله يا محمد، فقال: «ومن يطع الله إذا عصيت؟» أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ فسأله رجل قتل هذا الشخص «ذكر أنه قد يكون السائل هو خالد بن الوليد» فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله، وقال: عن الرجل عندما ولَّى: «يخرج من ضئضئ هذا ـ أو في عقب هذا ـ قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
وفي رواية أخرى لهذا الحديث: «فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار فقال: يا رسول الله: اتقِ الله، فقال الرسول الكريم: «ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله»؟
ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الناس في حديث آخر، فذكر أن «آيتهم رجل أسود في إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس» (تدردر: تتحرك وهي في مكانها).
وقد روى أبوسعيد الخدري مصداقا لذلك فقال: «فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد ان علي بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتُمِس فأُتيَ به، حتى نظرت اليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته به».
***
هؤلاء هم الخوارج، كما قال عنهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهم الذين نرى اليوم صورهم في كل مكان، ونسمع عن أعمالهم السيئة ما هو بموجب الوصف، لم يتغير ما نراه منهم وما نسمعه عنهم من الصفات التي جاءت في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا دققنا النظر في قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «يقتلون أهل الاسلام ويدعون أهل الأوثان»، فإننا نجد ذلك في حادثة رواها المبرد في كتابه «الكامل»، وهي تدل دلالة واضحة على تأكيد ما جاء في الحديث الشريف.
ذلك ان احد علماء الإسلام، وهو واصل بن عطاء، أقبل في مجموعة معه، فلم يشعروا إلا والخوارج من حولهم، فقال واصل لأهل رفقته: ان هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم، وكانت جماعته قد أوشكت على العطب فقالوا له: شأنك. فخرج اليهم وحيدا، فقالوا له: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون، ليسمعوا كلام الله، ويعرفوا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم!! قال: فعلمونا، فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معي. قالوا: فامضوا مصاحبين، فإنكم اخواننا. قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) فأبلغونا مأمننا.
وفي هذا الحديث ما يدل على تحقق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنهم يقتلون المسلمين ويجيرون غيرهم، فقد كان واصل بن عطاء وصحبه أقرب الى القتل على أيدي هؤلاء الخوارج لولا قول واصل لهم بأنه ومن معه من المشركين، فنالوا رضا أعدائهم، وأعلموهم بما عندهم من العلم، ثم أبلغوهم مأمنهم.
إن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق المبين، وهو الذي يرينا ما سوف نشهده في حياة الإسلام والمسلمين بعد مرور وقت من بعثته صلى الله عليه وسلم، ولئن كان الخوارج قد انبثوا في أنحاء من بلاد الاسلام قديما، ثم كتب الله ان يزولوا فزالوا، فإننا نشهد اليوم أجناسا من أجناسهم تنطبق عليهم الأوصاف التي وردت على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لا ينقص منها شيء، فهم تحت دعوى الإسلام يحاربون المسلمين، ويدعون أنهم هم وحدهم أمة الإسلام وغيرهم أمة من المخالفين للدين.
ولهؤلاء الخوارج مواقف كثيرة تشهد لهم بالخروج عن الملَّة، وتدفع بهم الى حضيض المخالفة لما جاء إلينا عن الله سبحانه وتعالى، وعن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
وهل هناك أبغض من أن ينعتوا الصحابي الفاضل وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفة الرابع بأنه كافر خارج عن الاسلام، وكأنهم يرون أنفسهم هم ـ فقط ـ الذين يدينون بدين الحق دون غيرهم من كبار أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ومن التابعين لهم على سنن الإسلام الحنيف، ويكفي الخوارج بظنهم هذا تعاسة وبعداً عن الصواب.
في هذا السبيل أورد أبوالعباس المبرد في كتابه «الكامل»، الذي أشرنا اليه فيما مضى، نبذة تدل على مواقفهم السيئة المجافية لأصول الدين، التي بها يُلحقون نعت الكفر بسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقال:
«وذكر أهل العلم من غير وجه ان عليا رضي الله تعالى عنه لما وجه اليهم عبدالله بن عباس رحمة الله عليه ليناظرهم قال لهم: ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا: قد كان للمؤمنين أميرا، فلما حكَّم في دين الله خرج من الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نَعُد له. فقال ابن عباس: لا ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه شك أن يقر على نفسه بالكفر. قالوا: إنه قد حكَّم. قال: إن الله عز وجل قد أمرنا بالتحكيم في قتل صيد، فقال عز وجل: (يحكم به ذوا عدل منكم)، فكيف بإمامة قد أشكلت على المسلمين؟ فقالوا: إنه قد حُكِم عليه فلم يرضَ. فقال: إن الحكومة كالإمامة، ومتى فسق الإمام وجبت معصيته، وكذلك الحكمان، لما خالفا نُبِذت أقاويلهما». ولقد كانت حجج ابن عباس داحضة لأقوالهم، وفيها ردوده مسكتة على كل ما أثاروه من أقوال، فلم يجدوا ما يعلقون به على ما استمعوا اليه منهم إلا قول بعضهم لبعض: «لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم، فإن هذا من القوم الذين قال الله عز وجل فيهم: (بل هم قوم خَصِمون)».
وليس لنا ان نقول اكثر من ذلك عن هؤلاء، ولا عن الذين يتبعون أقوالهم في أيامنا هذه، فإن في إثارتهم للخلاف وعدائهم للمسلمين، وعدم اعتدادهم بكبار الصحابة أمورا تستدعي نبذهم، والوقوف منهم موقف العداء الذي يستحقونه.
***
ونستوحي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ذلك انما يحدث في أواخر الزمان، وهذا من الأدلة على قرب نهاية العالم التي ورد الخبر عنها في القرآن الكريم والحديث الشريف.
ففي القرآن الكريم قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها).
وفي قوله تعالى: (فقد جاء أشراطها) ما يدل على ان أمارات دنوها قد ظهرت، وهذا مثل قوله عز وجل: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) وقوله: (اقترب للناس حسابهم، وهم في غفلة معرضون). وقد قال الإمام الحافظ ابن كثير: «فبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة وأماراتها، لأنه صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، ثم أضاف: «وقال الحسن البصري: بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة».
وقال البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه إنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها: بعثت أنا والساعة كهاتين».
وسبب تكرار الحديث القرآني عن قرب حدوث الساعة هو ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكثرون من سؤاله عن ذلك فَرَقا منها، وذلك لأن الله عز وجل قد قال: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم)، وقال: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).
وبعد هذا، فقد يعلق البعض على ما تم ذكره هنا قائلا: إن موضوع الحديث عن قيام الساعة موضوع لا داعي له، ولا طائل من ورائه، لأنه من أعمال الغيب، والواقع اننا لم ننصرف الى أعمال الغيب، لأن ذلك يكون في تخمين زمن محدد لقيام الساعة، وهذا ما لا ندعيه فهو ـ بالفعل ـ من الغيبيات التي اختص بها الله سبحانه حين قال: (ان الله عنده علم الساعة)، ومن الملاحظ اننا لم نخرج في كل ما تقدم عن قول الله تعالى، وقول نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، وهذا مما لا يتطرق اليه الشك، علما بأن ما ورد في النصوص الكريمة لا يحدد سنة ولا شهرا ولا يوما. بينما نجد عددا من الناس، ممن لهم اهتمام بعلم المستقبل ـ في أيامنا هذه ـ على العكس من ذلك، يحددون الأيام، وكأنهم على دراية تامة بموعد قيام الساعة، ولكنهم يخطئون دائما، فكم من مرة ذكرت لنا فيها وسائل الإعلام يوما بعينه على أنه اليوم الذي ينتهي فيه العالم، فيكون قولهم هذا باطلا، لا أساس له من الصحة.
إذن، فإن الأخذ بما جاءنا عن الله سبحانه، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ينبغي ألا يقارن بما يقوله هؤلاء المدعون الذين لم يثبت لهم قول.
نحن نعلم ان ما ورد من ديننا الحنيف هو الحق الذي لا يدحضه باطل، ومن أجل ذلك فإننا نذكر هنا أحاديث مهمة لها علاقة بآخر الزمان، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
1- «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد».
2- «لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان».
3- «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضُّرْمة من النار».
4- «والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يظهر الفُحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، ويُخوَّن الأمين، ويُؤتمن الخائن».
5- «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل.. القتل».
هذا، ولن نستطيع ان نلم بجميع ما يتعلق بهذا الأمر من أحاديث، فقد بلغت في كثرها مبلغا كبيرا، بحيث تصعب الاحاطة بها، وما ذكرناه إنما هو تذكير بأن ما يجري في زمننا هذا لم يغب أمره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل انه قد ذكره وقرن بين ما يحدث من قتل وتشريد وتنازع بين الناس وبين ما هو حادث في آخر الزمان على الصورة التي أوضحناها وأوردنا الاستدلال عليها.
***
ونرى في ختام مقالنا هذا ان نذكر شيئا من أخبار رجلين استعنَّا بعلمهما فيما تقدم مما سقناه من معلومات: وهما واصل بن عطاء واسماعيل بن عمر بن كثير، وذلك كما يلي:
أولا: واصل بن عطاء من مواليد سنة 80 هـ (700م)، وهو عالم جليل القدر، بليغ متحدث، كان يقرأ على الحسن البصري، ثم اعتزله مع جماعة من أصحابه فسموا: المعتزلة، ولهم آراء كثيرة في الاعتقاد، واستمر اتجاههم هذا في النمو الى ان انتهى أمرهم في أيام الخليفة العباسي الواثق.
وقد توفي واصل بن عطاء في سنة 131 هـ (748م).
ثانيا: إسماعيل بن عمر بن كثير، وهو مفسر للقرآن الكريم، ومؤرخ، وله في التاريخ كتاب «البداية والنهاية»، اضافة الى عدد كبير من المؤلفات النافعة التي أقبل عليها الناس، ولا يزالون يقبلون على المطبوع منها.
ولد في سنة 701 هـ (1302م) وتوفي سنة 774 هـ (1373م) وترك أثرا بارزا في علمه ونفعه.
وفي الختام، فاننا لنرجو أن يكون فيما قدمناه فائدة تفتح الأذهان الى واقع نعيشه، وكنا قد تلقينا التحذير منه على لسان نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم.