Note: English translation is not 100% accurate
متخصصون أكدوا لـ «الأنباء» أن غالبية المرضى الحقيقيين مسالمون وليس لديهم مشاكل قانونية
المرض النفسي.. شماعة الكثير من الجرائم
29 فبراير 2016
المصدر : الأنباء




الزايد: معظم المتهمين المحالين للطب النفسي أصحاء ويتحملون كامل المسؤولية عن تصرفاتهم
الحمود: فحوصات مكثفة يخضعون لها.. وليس من السهولة تزييف الأعراض
طاهر: ليس كل مريض نفسي يرتكب جريمة وإنما يعتمد على نوعية المرض وأسبابه وحدته
الدوسري: البعض يستخدم الذكاء المفرط في الهروب من القضايا
أجرت التحقيق: آلاء خليفة بعدما كثرت جرائم القتل والدهس وإزهاق الأرواح البريئة في البلاد والتي تعتبر ظاهرة دخيلة على المجتمع الكويتي المتماسك المتلاحم، ولأن معظم المتهمين يدعون أنهم مرضى نفسيون، فكان لا بد أن تكون لنا وقفة مع أساتذة علم النفس والاجتماع والمتخصصين في الأمراض النفسية لمعرفة حقيقة الأمر، وهل من السهولة ادعاء المرض النفسي لتبرير الجريمة؟ ومن الذي يقرر تحمل مرتكب الجريمة المسؤولية الملقاة على عاتقه؟ «الأنباء» أجرت عددا من اللقاءات مع متخصصين في علم الاجتماع وعلم النفس واخصائيين في مجال الأمراض النفسية وجاءت آراؤهم كالتالي:
في البداية أوضح مدير مركز الكويت للصحة النفسية د.عادل الزايد أنه «من الضروري قبل أن نذكر ما هي الجرائم التي يقع فيها المريض النفسي التأكد من أن ما يشاع من خلال أهل الشخص المعني أو الصحافة أو محامي المتهم المسؤول عن قضية معينة بأن بالفعل هذا الشخص مريض نفسيا أم لا»، مؤكدا على أن «الكثير من القضايا التي تحول إلى الطب النفسي نعلم بعد الكشف على المتهم أن هذا الشخص مسؤول عن تصرفاته وغير مريض نفسيا»، موضحا أن «النسبة الأقل هي التي يكون المرض النفسي فيها دافعا لارتكاب الجريمة أو المتسبب لحدوث المشكلة التي وقع فيها»، ومن هنا شدد الزايد على «ضرورة التأكد ومعرفة قرار الطب النفسي قبل أن نقوم بتضخيم القضية إعلاميا أو اجتماعيا بأن المرضى نفسيا هم من ارتكبوا جرائم في المجتمع».
شائعات كثيرة
من جانبه، قال رئيس وحدة الطب النفسي الشرعي بمركز الكويت للصحة النفسية د.عبدالمحسن الحمود وجود «لبس كبير في موضوع الطب النفسي»، موضحا أن «هناك شائعات كثيرة تدور بين الناس عن الفساد في مستشفى الطب النفسي وكأنه مرتع للمجرمين وكل من أراد أن يتجنب المساءلة القانونية».لافتا إلى أن «الأمراض النفسية شائعة بين أفراد المجتمع والأغلبية العظمى من المرضى النفسيين أشخاص مسالمين وليس لديهم أي مشاكل قانونية».
متابعا: «والحقيقة أنه بعض المرضى النفسيين هم المجني عليهم من قبل الغير، لذلك ارجوا من القراء أن يرجعوا إلى مصادر موثوقة عند نقل الأخبار عن مرضى الطب النفسي».
وأوضح الحمود «أن هناك اعتقادا شائعا بأن من لديه ملف في مستشفى الطب النفسي يعفى من المسؤولية عند ارتكاب جرم ما وهذا أمر خاطئ، حيث إن المرض النفسي بحد ذاته لا يعفي صاحبه من المسؤولية».لافتا إلى أنه «من حق كل متهم أن يطلب من المحكمة عرض حالته على الطب النفسي، والمحكمة هي التي تقرر إما بالموافقة أو الرفض».
فحوصات مكثفة
وعن الأسباب التي تدفع المحكمة لعرض حالة المتهم على الطب النفسي لفت الحمود إلى أنها «تدخل في نطاق تحديد ما إذا كان المتهم يعاني من مرض نفسي أو عقلي أثر على قدرته بمعرفة إذا ما كان الجرم المرتكب خطأ في نظر القانون والمجتمع، ومن ثم تتم تحديد مسؤوليته عن الجرم»، لافتا إلى أن «السبب الآخر هو معرفة إذا ما كان المتهم يعاني من مرض نفسي أو عقلي يحول دون قدرته على المثول أمام المحكمة».
وأضاف: «عند تحويل المتهم إلى الطب النفسي، يتم عمل اللازم من فحوصات طبية ومختبريه بحيث يخضع كل مريض لفحص إكلينيكي ونفسي مكثف، كذلك تتم معرفة ما إذا كان للمتهم ملف سابق في الطب النفسي، إلى جانب مقابلة أهل وأصدقاء المتهم وكل من لديه صلة بالحادثة لمعرفة ما إذا كان للمتهم أي مرض نفسي عند وقوع الحادثة أم لا».
ولفت إلى أنه «يتم فحص المريض من قبل عدة أطباء متخصصين في مجال الطب النفسي الشرعي، وحالته تعرض أحيانا على عدة لجان منفصلة عن اللجان الأخرى حرصا على الشفافية في اتخاذ القرارات»، موضحا أن «المريض يمكث عادة في جناح الطب النفسي الشرعي لعدة أسابيع تحت الملاحظة الدقيقة، يتم خلالها رصد كل أفعال المتهم ورؤية إذا ما كان هناك فعلا مرض نفسي أم لا».مشددا على أنه «ليس من السهولة تزييف أعراض المرض النفسي كما يعتقد الغالبية ومن السهولة جدا معرفة من يدعي ذلك».
ولفت الحمود إلى أنه بخصوص تحديد ما إذا كان المتهم مسؤولا عن أفعاله أم لا يعود للمحكمة، مشيرا إلى أنه «أمر قضائي وليس طبيا، ومهمة لجان الطب النفسي هي فقط مساعدة المحكمة على اتخاذ القرار».
الإرهابيون ليسوا مرضى نفسيين
وتابع: «بحال حكمت المحكمة بعدم مسؤولية المتهم بسبب مرض نفسي يتم إيداع المتهم لتلقي العلاج اللازم في وحدة الطب النفسي الشرعي وذلك لفترة من الممكن أن تستغرق سنوات عدة على حسب الحالة المرضية».
وقال الحمود إن «مهمة الطب النفسي الشرعي هي حماية المجتمع من خطر الجاني إضافة إلى علاج المريض من مرضه النفسي أو العقلي»، مؤكدا أن «الخطر الذي قد يأتي مستقبلا من المريض النفسي المعالج عادة ما يكون ضئيلا جدا مقارنة بأفراد المجتمع أو حتى المرضى النفسيين خارج الطب النفسي الشرعي، وذلك لأنه تتم متابعة الحالة عن قرب من قبل أطباء نفسيين متخصصين في الطب النفسي الشرعي، حيث يحرص هؤلاء على تلقي المريض على العلاج الطبي والنفسي اللازم بشكل منتظم تفاديا لوقوع أي حادث آخر».
وتطرق الحمود في إطار حديثه إلى موضوع آخر يقلق أفراد المجتمع وهو ما إذا يعاني الإرهابيون من مرض نفسي أم لا، حيث لفت إلى أن «غالبية من يقوم بأعمال إرهابية هم ليسوا مرضى نفسيين حيث إن ما يقومون به ناتج عن اعتقادات خاصة ليست لها علاقة بالمرض النفسي»، مستدركا «نعم هناك نسبة منهم يعانون من مرض نفسي ولكن هذا لا يعني انهم غير مسؤولين عن تصرفاتهم، كما ذكرنا سابقا، المرض النفسي بحد ذاته لا يعفي صاحبه عن المسؤولية».
الفرق بين المرض النفسي والعقلي
من ناحيتها، تحدثت الأستاذ المساعد في قسم علم النفس بكلية العلوم الاجتماعية والمتخصصة في علم النفس الجنائي د.نعيمة طاهر لـ «الأنباء» عن الفرق بين المريض النفسي والمريض العقلي، موضحة أن «المريض النفسي مدرك أنه مريض بينما المريض العقلي غير مدرك لذلك ويرفض هذه الفكرة»، لافتة إلى أن «إدراك المريض النفسي أنه مريض يدفعه لطلب العلاج، وهذا يساعد في سرعة تعافيه، بينما عدم إدراك المريض العقلي أنه مريض يمنعه من طلب العلاج ويتسبب هذا في تدهور حالته».
وتابعت: «المريض النفسي لا يعتبر خطرا في معظم الأحيان على المجتمع أو على من حوله، بينما المريض العقلي في معظم الأحوال من الخطر أن يترك بدون ملاحظة وانتباه، وكذلك يعتبر المريض النفسي أخف وأقل ضررا ويمكن إنجاز العلاج والتعافي بسهولة، بينما مريض المرض العقلي يعاني كثيرا ويتأخر علاجه». ولكنها أشارت في الوقت نفسه إلى «وجود بعض الأمراض النفسية التي تستغرق وقتا طويلا في علاجها مثال مرض الوسواس القهري التسلطي».
وفي تفاصيل الأمراض العقلية رأت طاهر أن «الكثير من الأمراض العقلية تتسم بالوساوس والضلالات والهلاوس السمعية والبصرية والشكوك، فقد يرى المريض العقلي في بعض الأمراض أمامه حيوانات مفترسة أو وحوش مخيفة تهاجمه أو يسمع أصواتا تهمس أو ربما تصرخ من حوله تهدده بالقتل مما قد يدفعه إلى الهروب».
وتابعت «كما ينتاب المريض العقلي الكثير من الشكوك حول الآخرين فيشك في أقرب الناس إليه أنهم يدبرون لإلحاق الضرر والأذى به، وربما رأى المريض العقلي أخاه أو زوجته أو أباه أو أمه يتحدثون في الهاتف ولا يستطيع إدراك تفاصيل الحديث بوضوح فيشك على الفور أنهم يهمسون لتدبير محاولة لقتله مما يستدعيه لاتخاذ موقف عدائي قد يكون في غاية الخطورة وقد يصل إلى القتل اعتقادا منه أنه يدافع عن نفسه»، لافتة إلى أن «المريض العقلي يعتقد أنه يعيش في هذه الحياة مسلوب الحق وقد اغتصب الناس حقه ويفترض به أن يكون في منصب القيادة في عمله لولا الظلم الواقع عليه».
ومن هنا رأت طاهر أنه «ليس كل مريض نفسي يرتكب جريمة عنف وإنما ذلك يعتمد على نوعية المرض وأسبابه وحدته ومدته»، مبينة أن «الدوافع والأسباب الحقيقية لإقدام المريض على الأعمال العنيفة مختلفة منها على سبيل المثال عدم إدراكه ووعيه بما يدور من حوله، لذا فهو أحيانا يرتكب الجريمة دون عمد أو وعي منه».
تغيير السلوك
من ناحيته، ذكر عضو هيئة التدريس بجامعة الكويت والعميد المساعد لشؤون الطلبة سابقا د.سعود الدوسري «أن بعض الناس في المجتمع يستخدمون الذكاء المفرط في الهروب من القضايا»، لافتا إلى أن «عالم النفس التربوي الفرنسي الفريد بينيه ذكر ذلك عام 1905، ومنذ ذلك الحين مر مفهوم الذكاء وقياسه برحلة فكرية طويلة اختلط وأثر وتأثر بالأيديولوجيات المختلفة، واستخدم أحيانا هذا الذكاء المفرط في التبرير لبعض الجرائم التي ترتكب في المجتمع ومنها الطب النفسي، حيث أصبح يشاع دائما بعد ارتكاب أي جريمة أن المتهم مريض نفسيا، ولديه ملف في الطب النفسي وذلك لتبرير الجريمة».
وذكر الدوسري أن «البعض استغل القانون المدني والجزائي الذي يراعي المريض النفسي بسبب ظروفه الخاصة»، مشيرا إلى أنه «هنا يتطلب كما يقول علماء الأخلاق تغيير السلوك الإنساني إلى الأفضل والأمثل، وترك الكذب، وليحمد الله على الذكاء المفرط ولا يستعمله في الشر».
مضيفا: كذلك من الممكن تغيير هذا الخلق الرذيل «الكذب» إلى خلق أولى وهو «الصدق» وكما يقول الراغب الأصفهاني «إن المسؤولية التي هي مناط التكريم الإنساني لا تتحقق إلا إذا كان بإمكان الإنسان أن يغير سلوكه بناء على ما يعلم من الصواب»، موضحا أن «جميع الأديان السماوية إنما أنزلت للإنسان أولا وقبل كل شيء، واستهدفت حركة الإنسان في صورة فرد أو هيكل جماعة أو شكل مجتمع».
وأشار الدوسري إلى أن «كون الإسلام آخر الأديان السماوية لذا فإنه أكثر وضوحا في الربط بين العبادات والمعاملات والأدب وحياة الناس، وذلك حتى يكون المجتمع الإنساني متميزا عن غيره من الكائنات الأخرى، ومثال على ذلك الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، الصوم لعلكم تتقون، الزكاة تطهير للنفس من البخل، الحج لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وكذلك في باب المعاملات كالمعاهدات والشهادة وعدم الكذب والحرص على الصدق والابتعاد عن أذى الناس».