Note: English translation is not 100% accurate
فؤاد الشطي الإنسان.. بقلم: علي محمد فريج كاتب ومخرج أردني
13 ابريل 2016
المصدر : الأنباء


عندما يذكر اسم فؤاد الشطي يوحي إلى العديدين أشياء كثيرة، ربما يكون صديقا أو أستاذا أو ملهما أو مخرجا لهذا أو ذاك، وهذا إجحاف بحق هذه القامة التي أسست لقضية المسرح في الكويت تحديدا وللخليج العربي وللعالم العربي إجمالا، فأصبح عمودا من أعمدة الإبداع الذي استحق هذا الوصف بجدارة متناهية. إنه حالة شاملة وغير مكررة ولا تشبه أحدا، إنه فؤاد ذو الشخصية الأخاذة والفكرة المستنيرة في عالم سبر أغواره الكثيرون في عالمنا لكن لم يتميز منهم غير النذر اليسير.
لن أدعي بأن فؤاد الشطي كان صديقي، فقد أصبح الآن في ديار الحق ولا يستطيع أن يؤكد أو ينفي ادعائي، لكنني أؤكد بأنني أعرفه كثيرا على الصعيدين الإنساني والإبداعي، فلذلك لابد لي أترجم معرفتي به بشكل قد يضيف للبعض معلومة ربما كانت غائبة عنهم وتختلف عن ما يروى وينشر عن الفقيد رحمه الله وغفر له، إنها شهادتي التي كنت أتوق لأرويها منذ زمن بعيد.
لقد عرفته في منتصف سبعينيات القرن الماضي، عندما كنت هاويا للتمثيل وعضوا في فرقة أضواء المسرح الفلسطيني، كنت مع أعضاء فرقتي نتلمس الفرص كي نثبت وجودنا ونعبر عن فكرنا الذي كانت قضية فلسطين على قائمة أولوياته، تبنانا أستاذ لنا لمادة اللغة الإنجليزية وكان صحفيا مميزا وكاتبا وروائيا ومترجما، إنه الأستاذ نواف أبو الهيجاء الذي كتب العديد من المسرحيات وأهمها جزء «تحت المرزام» من مسرحية «الواوي» للمخرج الراحل صقر الرشود في مطلع سبعينيات القرن المنصرم، «ونهار خليلي وحبيبتي ياسمين» اللتين قدمتا على خشبات يعض المسارح القومية العربية في حينها.
كان مشروعنا آنذاك مسرحية «نهار خليلي» وكان سيتصدى لإخراجها أبو الهيجاء نفسه. ونظرا لما كان يحظى به أستاذنا من احترام وتقدير في الساحة الفنية الكويتية آنذاك، فقد فتح لنا الراحل الشطي أبواب مقر فرقته المسرحية الكائن آنذاك في منطقة الشعب وهي فرقة المسرح العربي، كانت فرصتنا ونحن شباب نظر أن نتعرف على نجوم الفرقة نظرا لترددنا اليومي هناك لإجراء التدريبات على مسرحيتنا، كانت فرحتنا لا توصف ونحن نتمرن على أدوارنا وسط اهتمام نجوم المسرح الكويتي، أمثال عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج وجوهر سالم وحمد ناصر وجعفر المؤمن وغيرهم من نجوم الحركة المسرحية الكويتية آنذاك، رحم الله من رحل منهم وأطال في عمر الأحياء، وكم كنا سعداء عندما يعبر أحدهم عن استحسانه لأداء أحدنا أو أن يتطوع بعضهم لإعطائنا نموذجا للأداء.
كنا طلبة ثانوية، تجمعنا الموهبة ويوحدنا حب المسرح ويعزز مسعانا انتماؤنا لقضيتنا، لم نكن نأمل في أي مردود مالي بل كنا ندفع من مصروفنا لنشتري قميصا أو اكسسوارا للشخصية، أذكر حينها أن الراحل الشطي قد أخذنا إلى الساحة الخلفية لمقر الفرقة وعرض علينا اللوحات الإعلانية للفرقة لنستخدمها في الإعلان عن مسرحيتنا، وكانت أكثر من خمسين لوحة كبيرة، وكانت تلك الطريقة المعتمدة في الإعلان حينها، أذكر أن اللوحات كان عليها إعلان لآخر مسرحية لفرقة المسرح العربي وهي مسرحية «السدرة» المأخوذة عن رواية (الأشجار تموت واقفة) لألسادرو كاسونا ومن إخراج الراحل كرم مطاوع، وحولت فيما بعد إلى مسلسل تلفزيوني بعنوانها الأصلي ومن تمثيل معظم النجوم الذين أدوا شخصياتها المسرحية.
كنا كما أسلفت نعتمد على أنفسنا في التمويل، واضطررنا إلى الذهاب إلى بنك الدم لنتبرع بدمنا كفريق ليأخذ كل عضو منا مكافأة بنك الدم حينها وهي بمقدار عشرة دنانير، نجمعها لنشتري نواقصنا المسرحية، وكم أسعدنا أن يكون بيننا الراحل الشطي يتبرع بدمه مثلنا ليعطينا عشرة دنانيره ليساهم معنا ويعزز الفكرة التي أعجبته كثيرا.
إن فؤاد الشطي مخرج له سلسلة من المسرحيات المميزة والتي أضافت إلى رصيد الوعي المسرحي والجماهيري الكويتي، مجموعة من الأعمال التي لن تتكرر، لقد أضاء شموعا كثيرة في شمعدان المسرح الكويتي، لن أحصيها لأنها كثيرة جدا، ولكنني أذكر أهمها «سلطان للبيع ،عشاق حبيبة ،خروف نيام نيام، احذروا نوره ، طار الفيل الثالث ، القضية خارج الملف ، الثمن رحلة حنضلة ،فرحة أمة ، مراهق في الخمسين»، كما قدم للتلفزيون كمخرج، أعمالا خالدة كـ «والله زمن الصبي كسر المنظرة».
لقد فقدنا رجلا من زمن التوهج في المسرح الكويتي والخليجي والعربي، فهو رجل عاصر روائع ما صدحت به خشبات المسارح الكويتية كـ «ضاع الديك سكانه مرته الليلة يوصل محقان الكويت سنة ألفين رسائل قاضي إشبيلية حلاق بغداد ، عريس لبنت السلطان ،حفلة على الخازوق ،جحا باع حماره ، على جناح التبريزي فلوس ونفوس»، وغيرها من الأعمال التي أسست للحركة المسرحية الكويتية وأسست لظاهرة الجمهور الذي يشتري تذكرة ليحظى بمشاهدة مثل هذه الأعمال الطليعية والتي لن تتكرر.
إنه نجم من نجوم زمن الإشعاع والنور قد أفل، سنفتقد دائما، فؤاد الإنسان بدرجة رفيعة وفؤاد الفنان بمرتبة الشرف. رحمك الله أيها الرائع الأصيل السمين في زمن امتلأ بالغث الهزيل.