..وانتهت «عذابات العمر الجميل».. وترجل «أحد حراس اللغة العربية».. وغابت «لغتنا الجميلة» وحل «انتظار مالا يجيء» وبكى «الدم العربي». نعم يحق للشعر والأدب أن يبكي أحد مبدعيه الكبار وأن ينتحب لرحيل «الكبير» فاروق شوشة فجر الجمعة عن عمر يناهز الـ 80 عاما. رحل صاحب الصوت الرخيم، والإذاعي البارع، رحل رئيس الإذاعة المصرية (1994) وعضو مجمع اللغة العربية في مصر وأمينه العام، وأمين اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية ورئيس لجنة النصوص بالإذاعة والتلفزيون. رحل الحاصل على جائزة الدولة في الشعر 1986، وعلى جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 1997، ومن أشهر أعماله الشعرية ديوانا «في انتظار مالا يجيء (1979)» و«يقول الدم العربي (1988)»، كما قدم للأطفال ديوان «حبيبة والقمر (1998)»، ومن أبرز مؤلفاته «أحلى 20 قصيدة حب في الشعر العربي». و«أحلى 20 قصيدة في الحب الإلهي»، وكتاب «العلاج بالشعر». و«عذابات العمر الجميل».
رحل الفائز هذا العام بأهم جائزة ثقافية مصرية في الآداب وهي «جائزة النيل» قيل بحق ان الجائزة الكبرى قد عرفت طريقها لمبدع حلق في سماء الإبداع المصري والعربي على مدى اكثر من نصف قرن فيما تكشف الجولة المتمعنة في مسيرته الثرية عن رؤى مهمة في قضايا الشعر واللغة والنقد ونظرات متبصرة في سياقات التاريخ الثقافي وولع بالجمال يقابله عداء طبيعي للقبح.
وفاروق شوشة بصوته العذب الحنون هو أيضا الإعلامي المتفرد والذي استخدم الاعلام كمنصة ابداعية لصالح «اللغة الجميلة» وكأنه الضوء الجميل ينساب بين الناس مبشرا بالجمال ومدافعا عن كبرياء القصيدة بقدر ما يبحث دوما عن «الجمال في الانسان والطبيعة والفن والحياة».وواقع الحال أن أي جولة متمهلة بعض الشيء في عالم فاروق شوشة - الذي سيبقى متوهجا رغم رحيله عن الحياة الدنيا- كفيلة بمتع ولذائذ متنوعة ومتعددة فضلا عن كثير من الدروس والقيم وفي مقدمتها قيمة الاخلاص للابداع والاخلاص كإعلامي للوطن والشعب.
وابن «قرية الشعراء» في محافظة دمياط كان من المؤمنين بأهمية الدور الثقافي المصري في المحيط الإقليمي وعلى امتداد الأمة العربية والناطقين بلغة الضاد ومن ثم ففاروق شوشة هو صاحب الدعوة المخلصة لاستعادة مجد مصر الثقافي والابداعي.
وإذ تتحرك مصر لتحقيق «العدالة الثقافية» فان فاروق شوشة عرف كأحد أبرز المثقفين الذين سعوا لطرح وتطوير مبادرات تستهدف مواجهة «حالة الحرمان والتهميش الثقافي» في بعض المناطق خاصة بالريف وتجسير الفجوة بين الرؤى النظرية والمستويات الادائية مع عدم الانفصال واقعيا عن السياقات الاجتماعية والثقافية.وطرح الاذاعي والشاعر الكبير فاروق شوشة قبل فترة من وفاته فكرة جديدة هي: «أكشاك الثقافة» التي ينبغي ان تقام في كل قرية ونجع لتلبي الاحتياجات الثقافية لملايين المصريين موضحا ان هذه «الأكشاك» يمكن ان تكون في صورة مكتبات متنقلة وتقدم ايضا عروضا سينمائية ومسرحية وانشطة فنية موسيقية وغنائية.
وفي هذا السياق قال فاروق شوشة: «آن الأوان لكي نحلم بثقافة تمشي على الأرض، تلامس الواقع وتشتبك معه بدلا من ثقافة المزاعم والرؤى والتصورات التي تتدثر عادة بالكلمات الكبيرة البراقة».
وفاروق شوشة صاحب «أحلى 20 قصيدة حب» ولد في مطلع عام 1936 بقرية الشعراء بمحافظة دمياط ودرس بمدارس هذه المحافظة الواقعة بدلتا مصر حتى نهاية المرحلة الثانوية ليلتحق بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة ويتخرج فيها عام 1956 ونال في العام التالي دبلوما من كلية التربية بجامعة عين شمس فيما التحق بالإذاعة المصرية عام 1958 حتى اصبح رئيسا لها عام 1994. وفي الإبداع الشعري يقول فاروق شوشة انه يترك نفسه على سجيتها وما يأتيه يلتقطه ويحرص على الا يضيع «لأنه كالبرق الخاطف «الذي يفاجئه في الطريق أو في العمل وإذا لم يسرع إلى التقاطه ينتهي بلا عودة».
وهذا الشاعر المغرد بكل ماهو جميل والذي قام أيضا بتدريس الأدب العربي بالجامعة الأميركية في القاهرة دفعته غيرته على جماليات الشعر العربي للمطالبة «بطرد البغاث وكل الهوام من الساحة الشعرية» دون ان يعني ذلك إغفاله لضرورة وسنن التطور بحكم متغيرات الزمن و«المخاض الابداعي المتجدد».
وهكذا اقر فاروق شوشة في كتاباته وحواراته بأن حركة الشعر الجديد هزت القصيدة العمودية بعنف، معتبرا ان «شعر التفعيلة فتح بابا لقصيدة النثر التي جاءت كرد فعل لعدم احكام الكثير من نماذج الشعر الحر» مضيفا: «اصبحنا نرى الكثير من مطولات الشعر الحر وقد فقدت معالمها كقصائد ولم تعد لها بدايات ونهايات أي انها تخلت عن فكرة الاحكام الفني الذي يضبط كل شيء بميزان شديد الدقة».
ومن هنا نزع فاروق شوشة «شرعية الشعر عن قصيدة النثر لأنها تخلت عن الموسيقية في الشعر » موضحا ان «الخيط الأساسي في أي بناء شعري هو خيط موسيقي» وهو كما يقول «لا يضاف ولكن به يولد الكلام الشعري كما انه جزء من تكوين القصيدة وحاضر في جيناتها».
ولئن رأى فاروق شوشة انه بدون «هذه الجينات الموسيقية في العمل الشعري لا يكون الشعر شعرا» فإنه أوضح ان من يبدعون قصيدة النثر وخاصة في الجيل الرائد امثال محمد الماغوط وانسي الحاج أو ادونيس «كتبوا لنا كلاما جميلا نستمتع به على انه ابداع جميل باللغة في صورتها النثرية عندما يصبح النثر عملا فنيا جميلا غير ان هذا الجمال الذي قد يفوق أحيانا الكثير من الابداعات الشعرية المتعارف عليها لا يعني اضفاء صفة القصيدة الشاعرة على النثر مهما بلغ جماله.وتجلى حنين فاروق شوشة وانحيازه للشعر العمودي في كلمات تنساب بصدق: «احس ان هناك جيشانا في داخلي يطمح الى كبرياء القصيدة العمودية واسميه كبرياء لأن القصيدة العمودية في وجداني كانت تعني الشموخ والهيبة والكبرياء والسلطة الشعرية والاحكام»
.ولأنه عاشق كبير للغة العربية فالشعر عند فاروق شوشة «فن لغوي» ولأنه صاحب عين راصدة لتفاصيل المشهد الابداعي المصري فانه اهتم للغاية بشعر العامية وذلك خلافا لما يتصوره البعض عن «فاروق شوشة صاحب لغتنا الجميلة والأمين العام لمجمع اللغة العربية».
بل انه باح بأن إعجابه بشعر العامية يرجع لأيام طفولته في قرية الشعراء حيث أول شعر استمع اليه كان الشعر الذي ينشده شاعر الربابة وهو يروي السيرة الهلالية ليولد معنى الشعر في وجدان الصبي الصغير مصحوبا بالنغم ومنشدا بالعامية حتى كبر فاكتشف ان قصائد امير الشعراء احمد شوقي للملحن والمطرب الموسيقار محمد عبد الوهاب تنافس في جمالياتها بعض قصائده الفصيحة.فكأن «عامية احمد شوقي» أيقظت الفتى فاروق شوشة على جمال العامية ثم عرف قصائد العامية لبيرم التونسي فأذهلته ثم كبر اكثر ليعرف ان اول زجال في تاريخ الأدب العربي وهو الأندلسي «ابن قزمان» هو جد كل من يكتبون بالعامية في الشعر العربي وادرك ان للعامية جذورا بعيدة في الموروث الشعري العربي.والعامية التي يكتب بها الفن هي «العامية الجمالية الفنية» كما وصفها فاروق شوشة وهي تتجلى في ابداعات صلاح جاهين وفؤاد حداد وسيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودي، فلا هي عامية الشارع ولا عامية السوق كما أنها بالتأكيد ليست «عامية البذاءة ولا السوقية».
وشعراء العامية الكبار في مصر والعالم العربي وخاصة في لبنان تخرجوا من دواوين الشعر الفصيح قديمه وحديثه كما لاحظ الشاعر الكبير فاروق شوشة الذي قال: «أنا احس ان ماء الشعر في الفصحى والعامية مشترك والجميع ينهل منه ويأخذ منه والمسافة الآن بين شعر العامية الحقيقي المرتفع المستوى وبين الفصحى تضيق أحيانا بالثقافة والوعي والقاموس المشترك».
ولفاروق شوشة نظرات نقدية عميقة في بعض المقولات التي كادت تتحول الى مسلمات في الحياة الثقافية والأدبية المصرية والعربية مثل مقولة أو فكرة «الأجيال» فهو لا يعتبرها فكرة صحيحة ويضرب المثل بما يسمى بجيل الستينيات في مصر والذي يضم أسماء مثل محمد عفيفي مطر وأمل دنقل ومحمد إبراهيم أبوسنة وبدر توفيق وغيرهم.
ولم يغمط فاروق شوشة أفضال نقاد كبار تصدوا لنقد شعره بجهد وإخلاص في الكتابة النقدية مثل الدكتور محمد غنيمي هلال وهو أول من كتب عن ديوانه الأول «الى مسافرة» والدكتور شكري عياد الذي كتب عن «لغة من دم العاشقين» وكذلك الدكتور مصطفى ناصف والدكتور محمود الربيعي الذي قام بتحليل نقدي لقصيدة «اجمل من عينيك لا» وهي احدى قصائد ديوان فاروق شوشة الصادر بعنوان: «العيون المحترقة».
واذا كانت «القراءة» باتت من أصعب الأشياء في هذا الزمن كما رأى فاروق شوشة فإن «الكتابة» أمست «أصعب الصعب» لأن هناك حساسيات قد تترتب على الكتابة وهناك من قد تسعده الكتابة غير ان هناك أيضا من قد تغضبه تلك الكتابة الأمر الذي يدفع بعض الكتاب والنقاد للصمت بغية الابتعاد عن المشاكل!.ومجمع اللغة العربية بالقاهرة بدأت تركيبته تتغير كما لاحظ فاروق شوشة أثناء شغله بجدارة منصب الأمين العام لهذا الصرح الحارس للعربية مشيرا لدخول اعضاء اصغر سنا بالمقارنة مع مراحل سابقة ولافتا الى أن هؤلاء الأعضاء «اكثر حيوية واهتماما بالهم العام واكثر تحمسا لقضايا اللغة في المجتمع».
ونظرة فاروق شوشة لمجمع الخالدين تنطلق بوضوح من المنظور الثقافي الرحب داعيا للدفع في اتجاه «وظيفة المجمع الاجتماعية ومسؤوليته وأنشطته الثقافية وأهمية انفتاحه على الآخرين والحوار معهم وإقامة علاقة حميمة مع المؤسسات المعنية باللغة وخاصة في التعليم والاعلام وتطوير مجلة المجمع لتتجاوز نشر أبحاث محكمة تستخدم في الترقيات الأكاديمية الى نشر أبحاث حية عن قضايا ساخنة».
وطالب فاروق شوشة بأن تكون لمجمع اللغة العربية «سلطة لغوية» تتابع وتقيم ما يحدث في المجتمع كله من اداء لغوي ومن ثم فهو يرى ان هناك حاجة في هذا السياق «لوثيقة اعلان الحقوق اللغوية» ومن الطريف حقا في هذا السياق ان تشمل اهتماماته ما يعرف «بعلم اللغة الرياضي».
انه فاروق شوشة المثقف المصري المتعدد الاهتمامات ما بين الشعر واللغة والطروحات والمقالات والإعلام الإذاعي والتلفزيوني والمتطلع في إبداعه للأمام دائما ولم يبالغ أبدا عندما قال عن نفسه: «رحلة الحياة بالنسبة لي تحولت إلى خزان هائل من المعطيات والخبرات والرؤى».
انه المثقف «الباحث عن الجمال في كل شيء»..فتحية «لروح طليقة تعانق البشر»..تحية للشاعر «صاحب الوجه الحميم والعطر المقيم الذي تزدهي حروفه وتنجلي كأنها الشعاع أو كأنها الشرر»..تحية لمبدع مصري أصيل «سيبقى إبداعه الرحيب باسطا يديه وصوته الجميل ما يزال رغم رحيله سلما إلى الجمال وزادا لكل الباحثين عن الجمال»! ..وداعا للمبدع الجميل للباحث عن الجمال في اللغة والحياة.
مجمع اللغة العربية ينعى الفقيد
أ.ش.أ: بمزيد من الأسى والحزن، نعى مجمع اللغة العربية - رئيسه ونائبه وأعضاؤه وخبراؤه والعاملون به - الشاعر الكبير الأستاذ فاروق شوشة عضو المجمع.
وتقدم كل من بالمجمع لأسرة الفقيد وتلاميذه ومحبيه بخالص العزاء.
النمنم: شاعر كبير ومُعلّم عظيم
نعى وزير الثقافة المصري حلمي النمنم الشاعر والاذاعي فاروق شوشة الذي توفي فجر امس عن 80 عاما تاركا خلفه ارثا ثقافيا ثريا تراكم على مدى عقود وشكل وجدان معاصريه واجيال تتلمذت على يديه.
وقال النمنم: كان شاعرا كبيرا ومعلما عظيما تربى على يديه ملايين المصريين والعرب.
واضاف: كان صاحب مشوار ادبي طويل تم تتويجه بأرفع جائزة ادبية وهي جائزة النيل في الآداب.
حجازي: قيمة أدبية وإعلامية كبيرة
أ.ش.أ: قالت صفاء حجازي رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون بمصر: «فقدنا قيمة أدبية وإعلامية كبيرة، وإبداعاته أثرت العمل الإعلامي في مصر وتتلمذ على يديه الكثير من الإعلاميين، رحم الله الإذاعي الكبير وندعو الله ان يسكنه فسيح جناته وان يلهم أسرته الصبر».