شكل موضوع الدوائر الانتخابية أزمة سياسية عاصفة أفضت إلى قرار حل مجلس الامة للفصل التشريعي العاشر في 21 مايو 2006 حلا دستوريا استنادا الى المادة 107 من الدستور حين اصدر صاحب السمو الامير الشيخ صباح الأحمد المرسوم رقم 146 لسنة 2006 بحل مجلس الأمة والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة.
وكان هذا الحل نتيجة حالة الاحتقان السياسي في الكويت بين السلطتين التنفيذية والتشريعية من جانب والكتل النيابية من جانب آخر لتعيد الأمور لنصابها. ولكنها باءت بالفشل.
وكانت الاجواء السياسية في الكويت قد تلبدت وسط خيارات تصعيدية ذهبت في اتجاه حل مجلس الأمة كخيار أخير للخروج من الأزمة الراهنة التي تمر بها الكويت، وتفاقمت أزمة الدوائر الانتخابية بين معسكر المؤيد لتقليص الدوائر الى الخمس ومعسكر الابقاء على نظام الخمس والعشرين، ازدادت حدة المواجهة بين اعضاء مجلس الأمة والحكومة برئاسة سمو الشيخ ناصر المحمد لتصل لتقديم النواب أحمد السعدون وأحمد المليفي ود.فيصل المسلم طلبا لاستجواب رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، بسبب الخلاف بين الحكومة ومجلس الأمة حول ملف تعديل الدوائر الانتخابية.
هكذا تفجرت أزمة الدوائر بعد سحب لجنة الداخلية والدفاع تقريرها بخصوص الدوائر في 17 مارس 2006 كرت السبحة وتصاعدت الازمة إذ لم تهدأ الساحة في تجاذبات بشأن مقترحات الدوائر الانتخابية، فمن مقترح اللجنة الوزارية الى تراجع الحكومة وتقديمها الدوائر العشر، واحالتها للدستورية، الى تجمع الـ 29 والتجمعات الشبابية والبرتقالية الحشود الشعبية الى ان انتهت بتجمع المستقلين في 20 مايو 2006 تم صدور مرسوم الحل.
فقد نص المقترح الحكومي على خفض الدوائر الانتخابية من 25 الى 10، بينما طالب 29 نائبا بتقليص الدوائر الى خمس.
فقد قسم هذا النظام الذي وضع عام 1980 دولة الكويت الى 25 دائرة انتخابية، ومنح لكل دائرة مقعدين، وقد جوبه هذا النظام الانتخابي بمطالبات برلمانية وشعبية لتعديله، كما برزت احتجاجات تحولت الى ما يشبه «الثورة البرتقالية» في الكويت دفعت بالحكومة إلى تشكيل لجنة لتقليص عدد الدوائر الانتخابية، وقد استنتجت اللجنة الوزارية الحكومية أن هذا النظام الانتخابي يحوي العديد من السلبيات.
ومن أهمها، انه يكرس الطائفية والفئوية والقبلية، كما يسمح بشراء الاصوات والتأثير في توجهات الناخبين، وبالتحايل على بيانات المواطن الانتخابي، وببروز ما أصبح يُعرف بـ «نواب الخدمات» على حساب الدور التشريعي للنائب، ويظهر أيضا التباين الكبير في اعداد الناخبين.
ففي 7 مايو 2006 جمعت القيادات الوطنية في ندوة ديوان الصقر: الخمس ضمانة الاصلاح ومعارضو التقليص يرفضون الخمس ويتمسكون بالخدمات ثم 9 مايو استقال وزير الإعلام انس الرشيد احتجاجا على محاولات تعديل الدستور ومجلس الوزراء يدخل الدوائر في حلقة خطيرة وفي 10 مايو أقر مجلس الوزراء 10 دوائر وراجع عن تعديل الدستور قبل استقالة وزير الإعلام والفهد بالوكالة بالرغم من تمسك اللجنة الوزارية بتصورها حول الدوائر الخمس.
وفي 12 مايو أعلن التحالف الديموقراطي تمسكه بالخمس والكتلة الدستورية تطالب بالخمس أو العشر بالإجماع.
وفي 13 مايو حذرت القوى السياسي الحكومة من التسويف في إصلاح الدوائر.
وفي 14 مايو هدد التورط الحكومي في الإحالة إلى الدستورية إصلاح الدوائر والحكومة سلمت مقترح الدوائر العشر وجديتها على المحك والقوى السياسية ترفض المشروع الحكومي وتدعو إلى الدائرة الواحدة.
وفي 15 مايو أعلن 25 نائبا في ديوان الصقر انه لا للتأجيل ولا للتسويف ولا للإحالة إلى الدستورية.
وفي 17 مايو تمت إحالة مقترح الدوائر العشر إلى الدستورية بأصوات 16 وزيرا و17 نائبا واستجواب رئيس مجلس الوزراء من قبل السعدون والمليفي والمسلم، ورئيس الوزراء يصرح «خذوها مني.. انتخابات 2007 عشر دوائر». وانتقاد نيابي لمنع الجمهور من حضور جلسة مجلس الأمة.
وفي 18 مايو تم انقسام في كل الاطراف والسباق بين التصعيد والبحث عن مخارج، والسعدون والمليفي والمسلم قدموا أول استجواب لرئيس الوزراء والحكومة طلبت جلسة خاصة ومستعدة لسحب مشروعها من الدستورية.
وفي 19 مايو تم التسابق على بلورة حلول وكل المخارج مغلقة والخيارات مفتوحة.
وفي 20 مايو أقسمت مجموعة الـ 29 على التمسك بالخمس وبالاستجواب والعنجري يصرح بان الحكومة غير جادة في الإصلاح.
وفي 21 مايو تظاهرة للمستقلين أمام مجلس الأمة أقسمت على رفض سحب مقترح الدوائر العشر من الدستورية والخرافي بعد لقائه الأمير: الجهود تسير في الاتجاه الخاطئ.
مرسوم الحل
وفي 21 مايو ايضا توجه أمير الكويت صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد بكلمة الى الشعب الكويتي بثها التلفزيون الرسمي اعلن فيها قرار حل مجلس الأمة وانتقد سموه الاجواء المتأزمة التي سادت في الساحة الكويتية بسبب المواجهة بين النواب والحكومة حول تقليص الدوائر الانتخابية
وبعد صدور مرسوم حل مجلس الامة توجه صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الاحمد بكلمة الى الشعب هذا نصها:
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب).
الحمد لله الذي تفرد بكل كمال، وتفضل على عباده بجزيل النوال بيده الخير كله، فله الحمد على كل حال، وفي كل حال.
إخواني وأبناء وطني الكرام،
لقد أفاء المولى القدير على بلدنا الكريم بفيض من نعمه وفضله، وعاش اهله الطيبون منذ نشأته إخوة متحابين تحكمهم ثوابت راسخة تعارفوا عليها وارتضوها، وحرصوا جميعا على ترسيخها وصيانتها، فكانت الكويت وأصبحت كما نعرفها رمزا ونموذجا للوحدة الوطنية والتلاحم والتكاتف، عصية على كل من اراد بها سوءا وشرا.
وقد عاش الكويتيون معاني الديموقراطية وجوهرها في اطار الاسرة والأهل والفريج والديوانية، قبل ان تنطلق المسميات والمصطلحات التنظيرية المستحدثة، فالديموقراطية ممارسة متجذرة في وجدان اهل الكويت تكرست عبر الاجيال المتعاقبة.
إخواني المواطنين،
لا شك أنكم تتابعون ما تشهده الساحة من مظاهر وممارسات ضمن اطار الجدل الدائر حول مسألة تعديل الدوائر الانتخابية، ولعلكم تعرفون اننا اول من بادر بطرق هذا الموضوع، انطلاقا مما تلمسناه من ضرورة إعادة النظر في النظام الانتخابي الحالي، وعليه فقد كلفت لجنة وزارية مطعمة بعدد من الشخصيات التي تتمتع بالخبرة والنزاهة والحرص على المصلحة الوطنية لتتولى دراسة هذه المسألة.
وقد كان الأمل بعد ان تشبع الامر بحثا ونقاشا بأن يبقى الحوار بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تحت قبة البرلمان، وفي ظل ما يحكمهما من مبادئ ونصوص الدستور والقانون وفي إطار ما تم التوافق عليه من ثوابتنا الوطنية الاصيلة، بمراعاة من يحيط ببلدنا من تحديات ومخاطر توجب علينا جميعا ان نعمل على صيانة امنه واستقراره.
وقد تابعنا جميعا حالة الشحن والتأجيج التي شغلتنا عن باقي اولوياتنا، وما دأب عليه البعض من ممارسات انحرفت عن المسار البرلماني السليم، والتي باتت تشكل تهديدا لأمن الوطن واستقراره، بما انطوت عليه من مظاهر الفتنة والشقاق وهز الثقة بين ابناء المجتمع الكويتي وإضعاف وحدتنا الوطنية وهي السياج الحامي والحصن المتين لكويتنا الغالية.
ولا شك ان هذه الأجواء المشحونة التي تغيب فيها الحكمة والعقلانية ويسود فيها التشكيك والتصعيد لا تسمح بالتوصل الى حلول عملية مدروسة لمسألة مهمة تشكل احد اهم محاور العمل الوطني.
إخواني وأبناء وطني الكرام،
لقد انتظرت طويلا املا في انجلاء هذه الغيمة عن سماء وطننا العزيز، من خلال حوار ايجابي بناء تحت قبة البرلمان ولكن بعد ان حجب غبار الصراعات والمساجلات نور الحقيقة وامتزجت المصالح الخاصة بالمصالح العامة، وطغى التشكيك والتجريح وتسجيل المواقف على تحكيم العـــــقل والمنطق مما اضحى يشوه صورة الديموقراطية الكويتية ويهدد المــــوروث من ثوابتنا الوطنية المعهـــودة.
ان هناك حدودا ينبغي التزامها للجمع بين موقع المسؤولية وأمانة المسؤولية وإن الحكيم من اتعظ بتجارب غيره وبماضيه، وارتقى فوق تطلعاته الذاتية الى آمال الوطن ومستقبله وصيانة امنه واستقراره.
وعلينا ان نقبل الرأي الآخر كما علينا ان نتشاور لا ان نتخاصم وأن نختلف لا ان نتعادى وأن ننتقد بلا تشهير، وأن نحاسب بلا انتقام فكلنا من الكويت نبدأ وإليها ننتهي، وهي الباقية ونحن الزائلون.
إن وطننا أمانة في اعناقنا ولن يصنع مستقبله غيرنا ويكون ذلك بسلاح الوحدة الوطنية وبعدة المودة والتآلف والتعاون، ومد جسور الثقة والتآخي، ونبذ التعصب والتحزب والمزايدات.
إخواني،
إن الأمواج العاتية لا تعرف صديقا، وإن العواصف لا ترحم عزيزا، وفي بعض المواقف يجد المسؤول نفسه امام قرار يجبر على اتخاذه، وفاء بالأمانة التي يحملها في عنقه لمسؤوليته امام الله، ثم أمام الشعب الذي أولاه ثقته.
إن غايتنا جميعا وطن ثابت الاركان، وكويت شامخ البنيان يحتوينا بالأمن والاستقرار.
ومن أجل ذلك كان لزاما علي ان اتخذ قرارا صعبا ما كان بودي ان اتخذه ولكنني رأيت من واجبي حفاظا على امن وطننا وسلامة ابنائه ان اتخذ قرارا بحــــل مجلس الامة حلا دستوريا يتيح لنفوسنا جميعا ان تهدأ ولقلوبنا ان تطمئن ولعقولنا ان تفكر بما فيه مصلحتنا وخير وطننا في الحاضر والمستقبل.