بدأنا هذه السورة الكريمة بقصص الأنبياء والصالحين والتي تجلت فيها رحمة الله، ثم ها نحن بين يدي الآيات التي تتجلى فيها رحمة الله عزّ وجلّ ولكن لبيان أحوال الكافرين والتعرف على مقالهم فلا تعود شبهة في القلوب وندعو الآخرين إلى رحمة الرحمن، فالقرآن من أسلوبه في الخطاب أساليب عجيبة منها سوق القصص وما فيها من العظة والعبرة ومن هذه الأساليب الحوار الذي يجريه الله عزّ وجلّ ويوجه لنبيه الكلام والأسئلة حتى يشحذ الفكر ويبين للمؤمنين المتقين كيفية محاورة هؤلاء الجاحدين.
مواقف الكافرين
يسرد الله تعالى لنا خمسة مواقف للكافرين، الأول انكارهم للبعث (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً) والشبهة الثانية: نظرتهم المادية القاصرة وموازينهم المقلوبة، فقال عزّ وجلّ مبينا هذا الفهم المريض بقولهم: (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ) وكانت الشبهة الثالثة للكافرين الغرور والعجب.
وقال في الآية الكريمة (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) يثبتهم ويزيدهم من فضله والباقيات الصالحات كل ما عملوا من عمل صالح (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً ).
الشبهة الرابعة للكافرين في قوله تعالى مفندا أوهامهم ومبينا أباطيلهم وبعض أسبابهم الواهية لعبادة الأصنام (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) هذا فعل الكافر فاحذر أيها المؤمن ان تعتز بغير الله.
فلنحيا بالقرآن
المقصود من هذه الدروس فهم مراد الله عزّ وجلّ وحتى نحيا بالقرآن وأن يكون القرآن واقعا نحيا به في هذه الحياة، بعض المشابهة لهذا الفعل من الناس من يترك العلوم الشرعية ويشتغل فقط بالعلوم الدنيوية لأنه يظن ان هذه العلوم فيها العزلة له وبها يترقى في مراقي الدنيا ليسود.
أباطيل تكشف
مازال الردع لهذه الأباطيل ودحضها وانكارها من أساسها حيث يقول عزّ وجلّ (كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً) يوم القيامة يوم تكشف الأغطية عن القلوب وعن العيون ولا يبقى إلا الحق ويتلاشى كل باطل.
(أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً) ألم ترى تأتي بمعنى ألم تعلم واللفظة القرآنية لها أبعادها، والأز هو من أزيز كأزيز القدر التي تغلي مضطربة فهي تزعجهم وتحركهم وتحرش بهم هذه الشياطين.
(فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً) نؤخرهم لأجل معدود وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله عزّ وجلّ، أين يكون ذلك يا رب؟ يوم القيامة ذلك اليوم العظيم.
قدرة الله
(يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً).
لو وضعنا هاتين الآيتين كل كلمة مقابل الأخرى فبضدها تظهر المعاني ففي الأولى رحمات الرحمن وفي الثانية قدرة العزيز الجبار، نحشر المتقين كأن هذه الكوكبة المباركة الخيرة جاءت زائرة إلى ملك الملوك، أي كرامة ستحظين بها بإذن الله من الله الرحمن (يوم نحشر المتقين) الله أكبر، كل المتقين؟ نعم لأن ال تفيد الاستغراق وأيضا تفيد العهد، هذه صفة خاصة كرامة للمتقين.
دين يسر
(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) كلما أحسست بعسر فإنه من الشيطان، أما ديننا فليس فيه عسر بالمرة وما جاءت من خواطر عسر فإنها من الشيطان، وهذا الباب يفتحه أمران: قلة العلم واتباع الهوى، فإذا علمنا حقيقة هذا الدين يسر الله لنا كل خير والأعمال بالنيات والموفق من وفقه الله عزّ وجلّ.
(يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً ) لكي تكون من المتقين ارجع الى كتاب الله عز وجل وإلى كلام الله فإنه اخبرنا عن صفات المتقين في سورة المؤمنين.
(وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً ) من الذي يساق؟ البهائم، يساقون كما تساق البهائم لأنهم في هذه الدنيا عطلوا الملكات التي منحهم إياها الله عزّ وجلّ فأصبحوا كالأنعام، لا بل هم أضل من الأنعام، لأن الأنعام قد تسمع صوت راعيها فتتبعه، أما هؤلاء حتى الصوت لا يجيبونه فاستحقوا هذه المهانة يوم القيامة ان يساقوا كالحيوان والبهيمة.
طريق النجاة مغلق
(وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ) طريقا النجاة مغلقان، الشفاعة لمن؟ لأهل الإيمان، للعهد الذي بيننا وبين ربنا لا إله إلا الله محمد رسول الله وشريعة الإسلام هذا هو العهد الذي بيننا وبين الله عزّ وجلّ، التوحيد عهد، ومن هذا العهد تنبثق كل العهود.
قول شنيع
(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً ) مقولة شنيعة لو سمعتها الجمادات لتحركت.
المظاهر الكونية حولك ايها الانسان تنكر هذا القول، وفي كل شيء له آية تدل على وحدانيته عزّ وجلّ فهذا الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق، فكادت ان تزول.
(لَقَدْ أَحْصَاهُمْ ) الأعمال محصاة والأنفاس معدودة فلا يخفى عليه شيء (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) وسوف يأتي كل فرد من الخلق ربه يوم القيامة وحده لا مال له ولا ولد معه.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً).
هؤلاء الصالحون الذين يعملون الصالحات وفق شريعته سيجعل لهم الرحمن محبة ومودة في قلوب عباده.
(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً ) فإنما يسرنا هذا القرآن بلسانك العربي أيها النبي لتبشر به المتقين وتخوف به المكذبين.
تهديد ووعيد
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ) لا ترى منهم أحدا ولا تسمع لهم صوتا أيها النبي يقصد من تلك الأمم السابقة قبل قومك وكذلك الكفار من حولكم نهلكهم كما اهلكنا السابقين من قبلهم.