- صلاح الدين الأيوبي انتصر على الغرب لأنه تسلح بالعلم التجريبي والكيميائي والفيزيائي الذي طوعه في بناء أسلحة حديثة لم يعهدها الغرب
- انتصرنا كمسلمين لأننا كنا أمة واحدة مع ذوبان الأعراق التي انصهرت في بوتقة الإسلام
- في العصر العباسي فتحت الآفاق لكل أهل الملل والأهواء والنحل واشترك أصحاب الأديان الأخرى مع المسلمين في بناء الحواضر المدن العمرانية
- لم ينهض الغرب إلا من خلال استنزاف ثروات المسلمين والعمل على إضعافهم
- ما تركه المسلمون من تراث علمي أكبر شاهد على ازدهار الحضارة الإسلامية بالعلم
أكد د.نواف الجحمة ان الحضارة الاسلامية هي الحضارة الوحيدة التي تشتمل أسسها على حاجات الحياة كلها من الجوانب النفسية والروحية والجسدية والمادية.
وقال: ان القرآن الكريم يتصف بالحضارة التي ترعى كل فكرة تساعد على النهوض بالبشر، وان هذه الحضارة مفتوحة الحدود ممتدة الأرجاء شاملة كل ما في الحياة من تقدم وارتقاء، مؤكدا ان تطبيق الاسلام الحقيقي هو سبب النهضة والحضارة وان الحضارة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على الانبعاث بوعد الله تعالى، وأرجع سبب تقدم الغرب على المسلمين الى أنهم طبقوا اخلاق الاسلام فنجحوا.. وتطرق الى عدة أمور تهم كل مسلم، وإلى نص الحوار:
كيف كانت نقطة الإخصاب الفكري في الحضارة الإسلامية؟ وما الذي ساعد على ازدهارها؟
٭ تمت عملية الإنتاج والإخصاب الفكري في الحضارة الإسلامية بإقامة دور الكتب والمكتبات ورعاية الخلفاء والامراء للعلم والعلماء وبما كان يغدقه الخلفاء على العلماء من عطايا وهبات، وقبل إنشاء المدارس النظامية كانت قصور الخلفاء ومنازل العلماء والمساجد بمنزلة جامعات يحج إليها طلبة العلم من مختلف أرجاء الأرض، وجاء وقت كان كل طالب علم فيه يجد معهدا يتعلم منه ومعلما يقوم على تعليمه وراتبا يسد حاجته.
وفي هذا الجو العلمي الحافل ظهر عدد كبير من أعلام العلم في مختلف أفانين المعرفة ممن يفخر بهم التاريخ العربي الإسلامي واستطاعوا أن يرفعوا خلاله الحياة الفكرية والدراسة العلمية إلى أسمى مقام.
وكانت العربية لغة العلم ليقرأها الناس في أي صقع من أصقاع العالم الإسلامي الكبير، وازدهرت حركة الترجمة أيما ازدهار فتوسعت دائرة الكتاب لتشمل العلوم التي لدى الأمم الأخرى من يونان وروم وفرس وهنود وأقبل العلماء على التأليف والكتابة في مختلف فروع المعرفة العلمية ونقلوا علوما وابتكروا أخرى وأضافوا كثيرا من الآراء والنظريات وتميزوا بأنهم لم يقفوا عند حدود النظريات كما فعل اليونان بل طبقوا ذلك ما استطاعوا علميا فانتهجوا في اعمالهم العلمية طريق المنطق والاستقراء مع دقة الملاحظة والاعتماد على التجربة، وهكذا حمل العرب لواء النهضة في عدة قرون وفتحوا بذلك أمام العقل الأوروبي آفاقا جديدة وحملوه على البحث كأن يأخذها بالتسليم والخضوع.
لماذا تأخر العرب وتقدم الغرب؟
٭ أهم الاسباب فساد الأخلاق والجهل بالشريعة (الرجعية) والجمود وحين ابتعدنا عن تطبيق الاسلام الحقيقي والفعلي تأخر المسلمون وتقدم الغرب، فالسلوك والتربية والتعليم والأسرة كلها منظومة واحدة ابتعد عنها العرب فتأخروا.
فالذين بنوا حضارة الغرب أخذوا اخلاق الاسلام فعملوا بجد وكد وتعاملوا بصدق، أسسوا تقدمهم على علوم المسلمين في حين فقدت أمة الاسلام منهجها فضاعت وتاهت، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وكيف تعود للأمة الإسلامية حضارتها؟
٭ الأمة فقدت مقومات الديموية والاستجابة لتحديات العصر والحضارة الإسلامية هي الوحيدة القاردة على الانبعاث بوعد الله في القرآن والسنة وشهادة التاريخ.
وبشهادة القرآن الكريم ان الاسلام قادر على ملء الفراغ، فقد جمع الظاهر والباطن (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)، والاسلام جمع بين الروح والمادة، لذا استمر 1438 سنة، وهذا لم يحدث في أي دين دون تحريف إلا الدين الإسلامي.
فالحضارة الإسلامية تحمل الرؤية الشاملة للكون والحياة والإنسان.
وما فضل الحضارة الإسلامية؟
٭ حركة الترجمة من العربية الى اللاتينية استمرت قرونا عبر الأندلس وجزر البحر الابيض المتوسط والحروب الصليبية في مصر والشام (8 حملات).
بم ترد على من يقول ان الاسلام رجعي؟
٭ اقول ان اليونانيين كانوا وثنيين ومع ذلك كان هناك تطور وتمدن وتقدم فعندما جاء القسطنطينية وأتباعهم حدث هناك انحطاط في السلوك وانغلاق وحدثت علاقة شائكة بين الملك والبابا مما ادى الى الجور والظلم والفساد في الجمهور الأوروبي، لذا وجد الغرب ضالته في الكتب المترجمة عن ابن رشد وكانت رسائلهم محرمة من خلال مراسيم بابوية لانتشارها وبيعها ولا اخفي على القارئ ما اميل إليه هو انطلاق حركة الاصلاح الديني «لوثر» فربطوا العهد القديم بالجديد فخرج لنا انفصام بينهم «المسيح فيلسوف» ربطوا الحكمة بالشريعة.
ونرد عليهم بانه اذا كان ذلك حدث في تاريخهم، فلماذا ترمون الاسلام بالرجعية؟ اذن الرجعية كانت في العقلية الجامدة وسكونية الآراء والاجتهادات والظلم الذي وقع على الجمهور وتخلي المسلمين عن كتاب الله وسنة رسول الله.
مثال ذلك، انتصار صلاح الدين الايوبي على الغرب لأنه تسلح بالعلم التجريبي والكيميائي والفيزيائي الذي طوعه في بناء أسلحة حديثة لم يعهدها الغربيون (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) وهذا يدل على ان سبب انتصار المسلمين أننا كنا امة واحدة مع ذوبان الاعراق التي انصهرت في بوتقة الاسلام الكل تحت راية لا إله إلا الله.
وكيف نهض الغرب؟
٭ الغرب لم ينهض الا من خلال استنزاف ثروات المسلمين والعمل على ضعفهم لأن جغرافية الممالك العربية الاسلامية تتمتع بكل الثروات التي كانت سببا في نهضتهم ولم تكن امة الاسلام بدعا من الامم فهي تمتلك اسباب القوة وتمتلك اسباب الضعف ولكن هي الوحيدة التي تمتلك قانون الانبعاث (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) وبالتالي نحن نلحظ العمران البشري، التمدن والتفنن، ودور الجاليات المسلمة في هذا العمران مثل اميركا وأوروبا واستراليا.
لماذا كان العصر الذهبي في العهود الاسلامية هو العصر العباسي الأول؟
٭ لأنه فتحت فيه الآفاق لكل اهل الملل والأهواء والنحل مما ادى الى مشاركة اصحاب الأديان الأخرى مع المسلمين في بناء الحواضر والمدن العمرانية كالقاهرة وقرطبة وبغداد وغيرها.
ما سبب اهتمامكم بالبحث في الحياة العلمية للحضارة الإسلامية؟
٭ من خلال أطروحة الدكتوراه في العلاقات المشرقية المغربية خلال العصور الوسطى وهذه الأطروحة ولدت بنفس حب الحضارة والبحث عن الأسباب والدوافع والنشوء والتكوين وأسباب التدهور والتآكل والانحلال وهذه رؤية الشقيق للشقيق.
ما الذي جعل القاضي منذ ايام الخلافة هو الرجل الثاني بعد خليفة رسول الله؟
٭ استقلالية القضاء في التاريخ الاسلامي كانت مبكرة جدا وكان القاضي هو الرجل الثاني بعد خليفة المسلمين، وهذا ما حدث في عهد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابي بكر الصديق وكان القاضي هو عمر رضي الله عنه واستمر الوضع في عهد باقي الخلفاء ومازالت مكانة القاضي كما هي من منظومة الخلافة الراشدة في العهد العباسي نموذجا، حتى لو انتقلنا الى عهد الأعاجم سواء كان ايوبيا او مملوكيا او عثمانيا كانت مكانة القاضي والقضاء عظيمة في الدولة الاسلامية.
ولكن كان هناك تنافس بين الخلافة الاموية في قرطبة والخلافة العباسية في بغداد فلماذا لم يحدث هذا التأخر الذي تعاني منه الامة؟٭ كان التنافس بينهما تنافسا علميا يصحبه بث روح الاستطلاع والاستكشاف وجلب العلماء من كل حدب وصوب مع انتشار العلماء وكان للعالم مكانة جليلة سواء كان مسلما او نصرانيا او يهوديا وبسبب تخلي المسلمين عن الوعي الحضاري وعن اسباب تطورهم حدث انكماش وضمور وتجرأ الآخر على الحدود المتاخمة للبلاد الاسلامية وذلك لأن الآخر أخذ بكل أسباب التطور من العلوم التطبيقية والتجريبية سواء كانت مدنية او عسكرية.
وما اهم الوسائل التي جعلت المسلمين هم الاوائل سابقا؟
٭ قراءة القرآن وحفظه هي نقطة الانطلاق الحقيقية لكل اساليب المعارف والعلوم والتقدم والتطور، فالقرآن الكريم لم يختزل في كليات اصول الدين والشريعة بل كانت المادة الاولية والانطلاقة الحقيقية لكل علماء النقل والعقل، كان جميع العلماء يحفظون القرآن والفهم السليم له، فمدرسة القرآن هي التي ربت طفولة العقل والنفس وكان بجهادهما القرآني ان انقلبت عشرات الامم والشعوب بالعرق واللغة والعقيدة الى خير امة اخرجت للناس، فكانت كتب العلوم والمعارف من طب وحكمة وكيمياء وزراعة وفلك وغيرها مكتوبة بلغة القرآن وبفكر ابناء القرآن، وكانت تدرس في جامعات اوروبا قرابة ستة قرون، وهذا يؤكد ما كان للقرآن من اثر عظيم في تنمية العقل الانساني، فقد آخى القرآن بين الدين والعقل وألّف بينهما وجعل من عقيدة الاسلام مزيدا من التدين الحي والارتقاء في سلم الحضارة والتقدم (ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس....) [الآية].
لقد استطاع القرآن بفضل تربيته الحقة لعقلية المسلم وتفكيره وبدفعه له الى التزود بشتى انواع العلوم الحياتية ان يوجد الحضارة الانسانية التي غرس فسيلتها المسلمون الاوائل، ولما عُزلت عن المسلم تغذيته القرآنية العقلية تجمد الفكر الاسلامي وحرم شرف اتمام بناء الحضارة وتولى البناء الرجل الغربي الذي كانت لكتب المسلمين العلمية الفضل في تنمية فكره وعقله حتى بلغت الحضارة- كما نرى- اوجها في عصرنا الحاضر، هذا واعترف بذلك فضلاء علماء الغرب.
ما المنهج الذي قامت عليه الحضارة الاسلامية؟
٭ الحضارة الاسلامية قامت على عقيدة التوحيد في اسمى صورها والتي تنبع من وحي الرسالة السماوية وتمد الحضارة بالروح والقوة والتماسك والموازنة بين مقاصد الروح ومطالب الجسد والبعد عن الزهد المعطل للحياة، فكانت الصلة بين الارض والسماء والحياة والآخرة، وقد بين القرآن الكريم ان المنهج الذي تقوم عليه الحضارة الاسلامية هو منهج شامل وشريعة تامة تنظم شؤون الحياة كلها (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)، وقوله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم الى ربهم يحشرون)، كما ان الاسلام دين شامل يشمل الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية، كما يشمل كل متطلبات الانسان، فحضارة القرآن الذي تعهد الله بحفظه الى يوم القيامة ليست جامدة او متحجرة انما ترعى كل فكرة تساعد على النهوض بالبشر، وهي حضارة مفتوحة الحدود ممتدة الارجاء ترتقي في الاسس الفكرية والنفسية والمادية.
د.نواف عبدالعزيز الجحمة في سطور
استاذ مشارك متخصص في تاريخ وحضارة اسلامية.
ليسانس آداب جامعة الكويت.
حصل على الدكتوراه في الآداب، التاريخ الوسيط، جامعة محمد الخامس بالرباط عام 2002.
استاذ مشارك في قسم الدراسات الاجتماعية، كلية التربية الاسلامية، الهيئة العامة للتعليم التطبيقي.
عضو بجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون الخليجي.
عضو رابطة اعضاء هيئة التدريس بالهيئة العامة للتعليم التطبيقي.
عضو مجلس ادارة رابطة الادباء الكويتيين.
مستشار المركز العربي للادب الجغرافي، ارتياد الآفاق ابوظبي لندن.
له الكثير من المؤلفات العلمية وحاصل على العديد من الجوائز التشجيعية وشارك في الكثير من الدورات والمؤتمرات.