أحمد صبري
بينما كان العالم بأسره يعيش لحظات قلق قاتلة، ومع بزوغ أشعة الفجر الأولى من يوم الأربعاء الموافق التاسع من نوفمبر، وجميع الأضواء العالمية مسلطة بتركيز لا مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية على الحدث الأهم في واشنطن، والأنفاس محتبسة في الصدور رافضة الخروج حتى لا تعيش هذا الواقع الذي فرض نفسه على الدنيا ومن فيها.. كانت هي الوحيدة التي قفزت من فوق مقعدها بسعادة طفل جلب له والده الحلوى التي يعشقها ودموع الفرح تتسابق للخروج من عينيها، لتمسك بهاتفها الأنيق وتكتب على حسابها في «تويتر» (كل التهاني لرئيس الولايات المتحدة الجديد دونالد ترامب وللشعب الأميركي الحر) لم تخف رئيسة حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف الفرنسية مارين لوبان بهذه التغريدة التي استبقت بها النتائج النهائية والرسمية للانتخابات الرئاسية الأميركية فرحتها وسعادتها بفوز ترامب، بل إنها صارت مقتنعة بأن انتصاره يعبد لها الطريق شخصيا للوصول إلى سدة الحكم في الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا التي ستنظم في العام المقبل.
وكدليل على هذه القناعة، تشدد لوبان على أوجه التشابه بين أفكارها وأفكار ترامب، قائلة إن «انتخابه نبأ سار بالنسبة لبلادنا، رفض معاهدة التبادل الحر بين أوروبا وأميركا (تافتا) والعولمة المتوحشة بشكل عام، تهدئة العلاقات الدولية، والمصالحة مع روسيا، وقف التدخلات العسكرية في الخارج، ورفض الهجرة».
والأحد الماضي صرحت لوبان بأن «انتصار ترامب هو لبنة إضافية في اتجاه بزوغ عالم جديد سيبنى على أنقاض عالم قديم، وبفضله تحول المستحيل إلى ممكن، وأتمنى أن يستطيع الشعب الفرنسي قريبا قلب الطاولة على النخبة التي تتحكم في خياراته».
وعلى خطى المرشح ترامب إبان السباق للفوز بسباق البيت الأبيض، تدافع لوبان باستماتة عن بوتين معتبرة سيد الكرملين نموذجا سياسيا يحتذى به، وهي التي قالت ذات مرة إن «النموذج الذي يدافع عنه بوتين هو نموذج المنطق والدفاع عن الدولة القومية والبحث عن مصالح بلاده والتشبث بالهوية الوطنية وهو نموذج يعجبني».
لكن أمام لوبان صعوبة كبيرة في أن تكون «ترامب فرنسا»، لأن النظام الانتخابي الفرنسي، يختلف عن نظيره الأميركي الذي يقوم على دور انتخابي واحد ونظام الثنائية (الجمهورية - الديموقراطية)، أما النظام الفرنسي فيرتكز على الغالبية النسبية ودورتين انتخابيتين في (23 أبريل - 7 مايو)، ما قد يسمح ببروز خيار ثالث إضافة إلى مرشحي اليسار واليمين وهو «تحالف اليمين واليسار» وهو ما واجهه جان ماري لوبان في 2002 بعد ان تقدم على المرشح الاشتراكي ليونيل جوسبان الذي أقصي، ومر لوبان إلى الدور الثاني في مواجهة جاك شيراك الذي انتصر في النهاية بفارق كبير بفضل دعوة اليسار إلى التصويت له لقطع الطريق على لوبان.
ومع كل هذا فإن معنويات زعيمة (الجبهة الوطنية) تحلق في سماء التفاؤل، رغم انها ايضا تخوض حربا شرسة ضد مؤسسات استطلاع الرأي التي تجمع على خسارتها في المرحلة الأخيرة من أي استحقاق انتخابي على الرغم من احتمال كبير لنجاحها في الأدوار الأولى، لكنها ترى في فشل هذه الاستطلاعات في التنبؤ بفوز ترامب فألا حسنا عليها.
بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما قالت يوم الاربعاء الماضي في افتتاح مقر حملتها الانتخابية الواقع على بعد اقل من كيلو مترين من قصر الاليزيه ان «المقر الجديد محطة على الطريق نحو وجهتنا النهائية في آخر الشارع».
فهل نرى لوبان ترتدي عباءة ترامب؟ حقيقة إنه أمر غير مؤكد، لكن المؤكد وبقوة أنه بعد الانتصار «الترامبي»، لن تعود السياسة الفرنسية كما هي، وهو ما أوضحته لوبان نفسها قائلة: «ليست نهاية العالم، بل نهاية عالم».