- أترك فني خارج منزلي وأتابع أمور عائلتي كأب له همومه وأفراحه
دمشق - هدى العبود
ياسمين دمشقي، معطر برائحة الوردة الحمراء التي تهدى للمحبين في تلك الأحياء العريقة القديمة، قدم حضارتنا التي قدمت الأبجدية للعالم، من هنا ترجل موسيقار سوري من حي الشاغور ليكون على مستوى الوطن العربي والعالم بألحان خالدة، وليكن أحد أعمدة الفن، صقلته التجارب، بحلوها ومرها، لم يكن يدرس على مقاعد أية أكاديمية في العالم، في ذلك الوقت البعيد، بل كان يستمع إلى مذياع صغير، ويجاور مجلة «دنيا » المتخصصة بالأدب والفن، فكان أن تعرف على الكبار بالأوساط الفنية والأدبية، كما كان يرافق والده إلى الاحتفالات الدينية والموالد، فانطلق لعالم الإنشاد والتقليد، وكان زاده الفني موسيقيين ومطربين أمثال نجيب السراج ورفيق شكري وعدنان قريش ومحمد عبدالكريم، فتلقفوا ظاهرة فنية مبدعة واكتشفوا موهبته وصوته الجميل، ولم يبخل عليه الشعراء بإبداعاتهم، فسجلت له أول أغنية من قبل والد أمين الخياط الحلبي، من ألحانه، غناها الراحل فهد بلان بعنوان «يا بطل الأحرار » بإذاعة دمشق.
واليوم وعلى الرغم من مرضه وتعبه لم يلغ موعده مع «الأنباء» أو يؤجله، بل زاد علينا من كرمه أن رحب بنا وتحمل حديثا طويلا يعج بالذكريات، انه العملاق والموسيقار الفني سهيل عرفة، الذي التقته «الأنباء » في هذا الحوار الشائق، فإلى التفاصيل:
هل حدثنا الموسيقار سهيل عن بداياته الفنية، وكيف تتلمذ على يد «شيوخ الكار» كما كان يطلق عليهم في ذلك الزمن الجميل، وهل تحضر الذاكرة شيئا عنهم؟ وماذا عن وصولك لمصاف الأوائل فنيا لدرجة انك حصلت على جوائز وميداليات عربية وعالمية، ووقع لحضرتك كتاب عنون باسم «النغم والكلمة»؟
٭ بداية أرحب بصحيفة «الأنباء»، وحقيقة فقد كان الفن في ذيك الزمن جميل جدا، وحبذا لو يعود، ووقتها لم يحتمل الثناء، بل كان كل من يحاول امتهان الفن أطلق عليه لقب بأنه «سيئ السمعة» في المجتمع السوري، وهذا حال الفن في الوطن العربي ببداياته، وكان مؤسس الفن في سورية المرحوم أبو خليل القباني يبحث عن شاب يتقمص شخصية امرأة، والوطن العربي يعرف جيدا الفنان أنور البابا الملقب بـ «أم كامل» الذي كان يتقمص شخصية امرأة فأبدع حقيقة، ولكن بإصرار القباني والجيل الذي رافقه استطعنا أن نفرش الطريق للأجيال التي أحبت الفن بأنواعه.
الموسيقار سهيل بما أنك قلت إن الفن سمعته سيئة، كيف انتقل إلى أن يكون جوهرة ثمينة خصصت له أكاديميات ومعاهد وفروع في الجامعة وتخصصات؟
٭ عندما بدأت الفن في أربعينيات القرن الماضي كان العود يكسر كلما رآه والدي، وكان إخوتي عندما ينزعجون مني كذلك يكسرون لي العود، والنتيجة كنت اعمل في الخارج، أي خارج الحارة، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يغادر دون إذن الوالد، لأجمع ثمن العود من جديد، وكان ثمنه غاليا في ذلك الوقت، والفنان عليه أن يكون مكافحا، وأتذكر في عام 1958 كان الشارع العربي يرقص فرحا لأن هناك وحدة بين مصر وسورية، وكان للاغاني الوطنية في ذلك الوقت شأن وقيمة وأهمية تدب الحماس في نفوس الشعوب.
هل حدثتنا عن مهنة الاذاعة، وكيف كان لها الفضل في تهيئتك فنيا؟
٭ من المعروف بدمشق أن الأسر بعد الانتهاء من المدرسة وأوقات العطل تقوم بإرسال أولادها إلى تعلم المهن، وبعد الانتهاء من إتقان المهنة يقوم «شيخ الكار» بمنح الشاب إما الموافقة أو الرفض، وهنا أريد أن أقول إننا كأطفال لم نقض طفولة سعيدة، وكنت في كل مهنة ارفض، إلى أن جاء بي والدي إلى صديق له اسمه أحمد القوادري، زارنا بالمنزل وأخذ بيدي إلى إذاعة دمشق، ولم أكن أستمع إلا إلى الكبار مثل أسمهان وفريد الأطرش وأم كلثوم، وكان ممن يترددون إلى جلسات الفن عند القوادري والإذاعة العمالقة في ذلك الوقت من شعراء وملحنين ومطربين، وذات يوم دعاني نجيب السراج وعدنان قريش ومحمد عبدالكريم وأمير البزق والشاعر الكبير نزار قباني، لإذاعة دمشق، وكان هناك برنامج للكبار باسم «ألوان» قدمني باسم مطرب جديد، ودون أي اختبار لموهبتي نجحت، ومن هنا اعتبرت أن جوازي الفني أصبح بيدي ونصحني الأساتذة عدنان قريش وأمير البزق بالتلحين، وانطلقت.
حدثنا عن تعلمك للنوتة الموسيقية ومن قام بتعليمك إياها؟
٭ كان أستاذي بالنوتة الموسيقية سامي البرادي، ولم أتعلم سوى خمسة دروس، وبعدها مباشرة لحنت للراحل فهد بلان أغنية بعنوان «يا بطل الأحرار»، ثم لحنت أغنية للفنانة شادية «يا طيرة طيري يا حمامة» باللهجة السورية واعترض على الفنانة شادية الموسيقار بليغ حمدي لأنها غنت باللهجة السورية، وللفنان الكبير صباح فخري أغنية «فوق النخل فوق» و«يا مال الشام»، كما لحنت الأغنية الوطنية «من قاسيون أطل يا وطني» للفنانة دلال الشمالي، من تأليف الشاعر اليمني عباس الديلمي و«بلد الشام» و«أهل الشام»، كما لحنت للفنان الكبير وديع الصافي «يا دنيا آه يا دنيا» وكانت الأغنية جواز سفر للتاريخ لأنه لا يوجد بيت في العالم العربي إلا وفقد عزيزا، من هنا كانت المعاني واكتملت الأغنية ولحنت.
حدثنا عن قصة انتقالك للعمل في لبنان؟ وما قصة الفنان حليم الرومي والد الفنانة ماجدة الرومي؟
٭ كان الفنان حليم الرومي يتردد على إذاعة دمشق هو وكبار الفنانين، وكان يريد تسجيل أغنية «إذا الشعب يوما أراد الحياة» ولكنني كنت قد أعطيت اللحن للفنانة نجاح سلام، فدعاني إلى لبنان ليكون لي ركن في الإذاعة اللبنانية، وتعاونت معه في السينما بعد الفنانة صباح.
الشحرورة صباح حدثنا عن تعاونك معها؟
٭ عندما التقيت الشحرورة كانت السينما المصرية واللبنانية والسورية بدأت بإنتاج أفلام مشتركة وكان لي أول لحن معها، لأغنية بعنوان «آخذ قلبي سكارسة» وبعدها مباشرة على «البساطة البساطة»، وتتالت اللقاءات والأعمال الفنية مع الصديقة صباح «رحمها الله» لسنوات طويلة وكنت على تواصل معها بشكل دائم.
يقال ان سهيل عرفة كان يتمنى ان يلحن للسيدة فيروز؟
٭ طلب مني الأستاذ نادر الأتاسي تلحين أغنية لفيلم «سفر برلك»، وفعلا كلفت الشاعر عمر حلبي بكتابة الأغنية وقمت بتلحينها وكانت باسم «سيروا يا رجال سيروا»، لكن الرحابنة ارتأوا أن تغنى من قبل الكورال، فرفضت وأعطيت الأغنية للفنانة سميرة توفيق، ومن خلال «الأنباء» أهنئها بعيد ميلادها وتمنيت أن ألحن لها لأنها تمتلك صوتا ملائكيا.
السينما التصويرية والجوائز الذهبية التي حصلت عليها.. حدثنا عنها؟
٭ لحنت موسيقى تصويرية لستة وأربعين فيلما على رأسهم فيلم «الفهد»، وحققت الرقم الصعب من قبل الشارع العربي بنخبه الكبيرة، ونلت جوائز عالمية على أفلام وثائقية مثل شهادة الأطفال الفلسطينيين، قدمت لنا باسم الاتحاد السوفييتي بتلك الفترة، كما نلنا جوائز ذهبية على فيلم «نحن بخير» وفزنا على سبعين دولة، كما ان أغنية «يا أطفال العالم اتحدوا»، مع هالة الصبان، وقدمناها بعدة لغات في ايطاليا، حينها قال السفير الإيطالي هذه الأغنية حصدت نتاج وعمل أكثر من 10 سفراء بمعانيها ووقعها على مستوى الشعوب، ونلنا الذهبية الوحيدة وقدمنا كل الجوائز لسورية، وأعيد ريعها لأطفال العالم المحتاجين، وهذه الأغاني تعتبر إرثا إنسانيا عظيما.
ماذا يقول سهيل عرفة للفنانين الذين يستعجلون الزمن فنيا من أجل الشهرة؟
٭ أقول لهم الموهبة هي الأساس، والبناء الجيد بحاجة للأساس، وإلا فإنه سيقع حتما وبسرعة، والفن هكذا، الصعود دون ركائز مثل فقاعة الماء، واعتبر من يصلون بطرق ملتوية مثل الفيروسات التي تدخل على جسم الإنسان، والأغنية هكذا، وباعتقادي حاليا هناك مؤامرة على الأغنية السورية.
هل وضحت هذه المؤامرة؟
٭ في القرن الماضي كان السيئ في مجال الأغنية وتلحينها ومعانيها قليلا جدا، والجيد والثمين كثير، أما اليوم فالعكس صحيح لأن الأغنية بحاجة إلى سفير، فعندما استمع لفنان عربي مثل عبدالله الرويشد أو صباح فخري أو السيدة أم كلثوم، أشعر بأنهم صادقون، أما اليوم فأنا لا أستطيع أن أحفظ ولو شطرا واحدا من أية أغنية استمع إليها، ولا استطيع أن أكمل الأغنية.
إذاً تنتقد السماح بالتسجيل لأي مطرب لا يمتلك الموهبة؟
٭ بصراحة الأمور «فلتانة»، ولا أعلم هذه اللجان من أين يأتون بها لتقييم الأغنية؟
هل ندمت يوما على لحن قدمته لفنان ما؟
٭ نعم هناك بعض الأخطاء، أنا لا أندم ولكنني لا ولن أعيدها، أي لا أكرر الخطأ.
برأيك لماذا الاهتمام بالدراما أكثر من الأغنية حاليا؟
٭ سؤال مهم جدا، هناك قانون صدر بمرسوم رئاسي «حقوق المؤلف» ومن المفروض أن تعود مكاتب الشركات من الخليج ولبنان ومصر ومن أي مكان لدمشق، ولكن مع الأسف لم يطبق القانون وبقي طي الأدراج.
ماذا يحدثنا سهيل عرفة عن عائلته؟
٭ عائلتي أراها بدءا من زوجتي التي رحلت، أراها بعيون ابنائي أمل وسمر وفدوى وزوجة ابني عادل منال، أنا بالبيت إنسان وأب أتابع أمور عائلتي واترك فني خارج منزلي.
هل من كلمة تقولها لنا قبل أن نغادر؟
٭ شكرا لكم لأنكم تحملتم عناء يوم بارد ماطر، وشكرا لـ «الأنباء» لأنني أعرف تلك الأسرة الكريمة والعريقة جيدا.