- الخصومة ضمن مجلس أمناء الهيئة نتيجة تفوق مؤسسة الفساد
- الإسراف في تكلفة شراء الود السياسي بات في حكم المستحيل
- الفساد والهدر آفتان تدمران مستقبل أي بلد
قال تقرير الشال الاقتصادي ان ما بين التأسيس الأول للهيئة العامة لمكافحة الفساد في 19/11/2012، والحديث اليوم عن إحالة مجلس أمناء الهيئة إلى التقاعد أو تشكيل لجنة لتقصي حقائق أعماله، أي ما بين خيار تعطيله بالضربة القاضية أو هزيمته بالنقاط في لغة الملاكمة، نحو 4 سنوات وشهرين، أو نحو 50 شهرا، بلغ خلالها مستوى الفساد أشده، رغم تعدد هيئات مكافحته.
فديوان المحاسبة والمراقبون الماليون ولجنة حماية الأموال العامة النيابية ولجنة حماية المال العام الأهلية، هيئات رديفة لهيئة مكافحة الفساد.
قبل نوفمبر 2012، عزلت الحكومة أغلبية أعضاء هيئة أسواق المال، وعطلت عملها بضع سنوات ثمينة، وبعدها، أبطلت المحكمة الدستورية مجلسين للأمة بسبب أخطاء إجرائية حكومية، وقبلها وبعدها فشلت كل خطط التنمية وكل سياسات الإصلاح المالي والاقتصادي، رغم تخمة وضخامة تكلفة الاستشارات التي تلقتها الحكومة.
إن في كل ما تقدم، وغيره كثير، كانت الحكومة هي المسؤولة، بينما تغير كل ما عداها وظلت ثابتة، فخطأ الإجراء أو خطأ الاختيار من صنعها، وما لم تقترن السلطة بالمسؤولية، لا أمل في استقرار وإنجاز أي من هذه الهيئات، ولا جدوى من النصح والاستشارات.
ولسنا هنا ندافع عن هيئة مكافحة الفساد ولسنا في خصومة معها، ولكن، بعد 50 شهرا على إنشائها، كلفت خلالها الخزينة العامة الكثير، كان الإنجاز لا شيء في مواجهة آفة الفساد، ورغم ذلك، إن أصبحت آلية تغيير إدارتها بهذه السهولة، وبيد نفس الحكومة، سوف تفقد الهيئة، وكل المؤسسات المماثلة أي قيمة لها.
فالأصل هو صيانة هيبة مثل هذه المؤسسات، بينما الهدف من مناكفتها، ومن قبل أعلى السلطات، هو إشغالها الدائم في الدفاع عن نفسها بدلا من موقف هجومي لتحقيق غاياتها.
وفي فرنسا وفي إيطاليا، حكم بالسجن على رئيس جمهورية ورئيس وزراء، وفي كوريا الجنوبية وفي البرازيل، عزل رئيسا جمهورية، وفي ألمانيا وبريطانيا عزل وزيرا دفاع لاتهامات غير مباشرة، كلهم اتهموا بالفساد، وليس في كل هذه الدول ما يسمى بكلاب الحراسة، أو مؤسسات الرقابة بالعدد المتوافر في الكويت، ولكن، لديها منظومة قيم حميدة وحكومات متغيرة ورشيدة.
والسبب في مثل هذه القسوة في تلك الدول، ليس انتقاما من فاسد، وإنما إيمان حقيقي، بأن المسؤولية تبدأ من فوق لتكون فيها عظة وقدوة، وبأن التنمية والتقدم لا يمكن أن يبنى على قواعد فاسدة، ومعالجته تبدأ من أعلى الهرم الإداري.
بينما نعمل في الكويت على المبالغة في إنشاء الهياكل، ثم نعمل على نزع أسنانها ومخالبها، والإصرار على أن تبقى شكلا بلا مضمون، لتتحول لاحقا إلى عبء وتكلفة، ومحاصصة في تعيين قياداتها، ولبعض كبار الفاسدين نصيب فيها.
وفي زمن رواج سوق النفط، كان من الممكن دفن الكثير من الخطايا، مثل غياب العلاقة بين التوظيف وحاجة العمل في القطاع العام، ومثل غياب الارتباط بين الأجر والإنتاجية، ومثل الإسراف في تكلفة شراء الود السياسي، وغيرها، ذلك بات في حكم المستحيل في وقتنا الحاضر، وفي المستقبل المنظور.
فالفساد والهدر، آفتان مدمرتان، لا يستقر مستقبل البلد من دون مواجهتهما بحزم، وما حدث ويحدث من تعامل مع هيئة مكافحة الفساد، نموذج تعامل خاطئ، سوف يبقيها مشلولة، وسوف يتكرر مع ما عداها.
وإن كان هناك أمل في تنمية وإصلاح، لابد من احترام تناسب المسؤولية طرديا مع السلطة، فالثواب والعقاب، لا يفترض أن يستثني أحدا، والخصومة ضمن مجلس أمناء الهيئة، وهي التهمة التي تدعي الحكومة أنها عطلت العمل فيها، هي نتيجة تفوق مؤسسة الفساد، وهي نتيجة فساد أسلوب المحاصصة الحكومي في تشكيل مجلس أمنائها، والإصلاح إن كان ذلك هو الهدف يفترض أن يبدأ بالحكومة صانعة الأزمات.