تستضيف باريس، اليوم، مؤتمرا للسلام في الشرق الأوسط، والمقصود به عمليا السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
ويحضر هذا المؤتمر الدولي ممثلون عن سبعين دولة منها الأعضاء الـ 15 في مجلس الأمن ودول الاتحاد الأوروبي ودول عربية وآسيوية، وممثلين عن الأمم المتحدة والجامعة العربية.
وعلى صعيد المشاركة العربية، يبرز حضور وزراء خارجية مصر والسعودية والإمارات والأردن، فيما يغيب وزير خارجية لبنان جبران باسيل.
ولكن العلامة الفارقة في هذا المؤتمر غياب أصحاب العلاقة، إذ يغيب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي سيأتي في اليوم التالي الى باريس للاطلاع على نتائج المؤتمر.
وهذا المؤتمر ينعقد في وقت غير مناسب ويصنف سياسيا بأنه «توقيت سيئ»، ليس فقط بسبب الوضع الانتقالي في الولايات المتحدة بين رئيسين وإدارتين، وإنما أيضا بسبب الوضع الانتقالي في فرنسا أيضا، حيث بدأ العد العكسي للانتخابات الرئاسية وانتهى عمليا عهد الرئيس فرانسو هولاند.
وبالتالي فإن مؤتمر باريس ينعقد في ظل تحولات رئاسية في الولايات المتحدة وفرنسا تنبئ بتحولات في السياسات الشرق أوسطية، وخصوصا في الملفين السوري والفلسطيني.
والسقف السياسي للتوقعات ازاء مؤتمر باريس يبدو منخفضا جدا، بحيث لا تتجاوز صدور بيان عام يؤكد على مبادئ الحل النهائي والعادل، وخصوصا مبدأ «حل الدولتين».
وكانت باريس تطمح الى أكثر من ذلك ولكنها أخفقت، فقد عرضت على وزير الخارجية الأميركي جون كيري الاستفادة من الأيام الخمسة المتبقية لإدارة الرئيس أوباما لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن يثبت حل الدولتين وإطاره ومرتكزاته، لكن كيري رفض السير بمشروع قرار جديد، معتبرا أن إدارة أوباما قدمت أقصى ما يمكن عندما امتنعت عن ممارسة حق الفيتو ضد القرار الدولي رقم 2334 الذي صدر نهاية العام الماضي، وكذلك عندما أدلى بخطابه المؤيد لحل الدولتين والذي أثار عاصفة في إسرائيل.
ويعد مؤتمر باريس «لزوم ما لا يلزم» حيث يتوقع أن يصدر عنه إعلان أو بيان «لا يقدم ولا يؤخر»، ولكن الحكومة الفرنسية أصرت على عقده، أولا: للتأكيد على أن القضية الفلسطينية غير منسية ولإعادة إحيائها وتحريكها بعدما أغرقتها الثورات والحروب العربية الى قعر الاهتمامات الدولية، وثانيا: لتوجيه رسالة مزدوجة الى نتنياهو وترامب.
والرسالة الى الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب هي لإلزامه بإطار دولي للسلام في الشرق الأوسط، ولإفهامه أنه لا يستطيع التصرف كيفما كان في هذا الملف المتفجر، وأنه إذا أراد المساهمة إيجابيا فإن الطريق محدد ومرسوم أمامه.
والرسالة الى نتنياهو هي من أجل الضغط عليه وحمله على استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين على أساس الالتزام بوقف الاستيطان والقبول بمبدأ حل الدولتين.
ولكن نتنياهو رفض مؤتمر باريس ونتائجه مسبقا لم يتردد نتنياهو في وصف المؤتمر بأنه عبارة عن «خدعة فلسطينية برعاية فرنسية» تهدف الى اعتماد مواقف دولية معادية لإسرائيل، وذلك تحت ستار التأكيد على تمسك الأسرة الدولية بحل الدولتين كحل وحيد ممكن لوضع حد للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويتهم نتنياهو باريس بأنها تشجع الفلسطينيين على التهرب من المفاوضات المباشرة وأنها تريد فرض السلام والتفاوض، وأنها هي ما زالت «واهمة» أن القضية الفلسطينية هي أساس المشكلات في الشرق الأوسط.
اما المقربون من نتنياهو فلهم وجهة نظر مختلفة عن التوجهات الفرنسية، ويقولون تعليقا على مجمل التطورات من قرار مجلس الأمن الأخير ضد الاستيطان والامتناع الأميركي عن ممارس حق الفيتو والتناغم بين هولاند وأوباما، وصولا الى مؤتمر باريس «إن الإدارة السيئة لحكومة نتنياهو للأزمة مع أميركا هي التي قادت الى امتناع واشنطن عن التصويت في مجلس الأمن».
ويضيفون إن «أوباما كان منذ البداية معاديا لنتنياهو، ومشكلته تكمن في أنه لا يعرف أنه ليس لإسرائيل من تتحادث معه في الجانب الفلسطيني، إذ ليس للرئيس الفلسطيني محمود عباس سيطرة على ما يدور، ولنتنياهو موقف واضح من حل الدولتين وهو لن يسمح بسيطرة «داعش» أو حماس عليها.
بات الموضوع الفلسطيني هامشيا أيضا بسبب التطرف الديني وأصبحت «داعش» مشكلة العالم العربي بدلا من القضية الفلسطينية».
ويقول هؤلاء إنه «في الغرف المغلقة لا أحد من العرب يهتم بهذا الموضوع، فالدول العربية منشغلة بنفسها وببقائها لأن إيران تخيفها.
ولذلك الموضوع لم يعد يأخذ أبعادا حتى لعملية سياسية جديدة.. ولهذا فإن كل ما فعله أوباما لا معنى له وهو يتناقض مع ما كان يقوله بنفسه طوال الوقت إنه لا يمكن فرض السلام على طرف.
وسوف نتوصل مع ترامب الى تفاهمات وعلى الطريق سنجد حلا أيضا للموضوع الفلسطيني.
وسيكون الأمر عكس ما أراد أوباما، أن يكون الشأن الفلسطيني أولا.
سيكون هناك توافق بين الدول على الدفاع ضد الإرهاب وضد إيران، وهذا سيشمل إسرائيل. وبعد ذلك سيدخل الفلسطينيون».
ومعارضة إسرائيل ليست جديدة، إذ إنها من حيث المبدأ، ترفض أي مقاربات دولية جماعية، ولا تريد لفرنسا أو أوروبا أن تلعب أي دور، لأنها تعتبر أن مصلحتها تكمن في مفاوضات مباشرة حيث الفلسطيني هو الطرف الأضعف وهي بالطبع ترفض أي ضغوط لتقديم تنازلات.
وتقول مصادر ديبلوماسية فرنسية إن معدي المؤتمر «أخذوا بعين الاعتبار، السياق الذي ينعقد المؤتمر في ظله»، وتحديدا وصول إدارة أميركية جديدة ستكون أكثر دعما للمواقف الإسرائيلية، وما سيصدر عن المؤتمر سيكون بمنزلة رسالة إلى الإدارة الأميركية الجديدة، وهذه الرسالة نابعة من قراءة الوضع الحالي، حيث «حل الدولتين مهدد، والوضع القائم يتدهور، ونبتعد يوما بعد يوم عن حل الدولتين»، الذي سيصبح ماديا صعب التحقيق بسبب الاستيطان المتسارع.
لذا، كان من المهم إعادة التأكيد على المبادئ الأساسية من دون الخوض في التفاصيل «حتى يتحمل كل طرف مسؤولياته».
وتقول المصادر الفرنسية أيضا إنها تعرف سلفا ما سيصدر عن إسرائيل وردة فعلها، واعتبارها أن كل ذلك يأتي في سياق محاربة المصالح الإسرائيلية، وأنه يشجع الفلسطينيين على التصلب ورفض المفاوضات المباشرة وغير ذلك من المعزوفة المتكررة، معتبرة أن إسرائيل متشجعة من وصول ترامب الذي وعد بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، ومحاربة مشاريع القرارات المعادية لإسرائيل في مجلس الأمن، ولكن يتعين على إسرائيل، رغم تصريحات ترامب المعروفة، وتعيينه سفيرا أميركيا مؤيدا لطروحات اليمين الإسرائيلي، ألا تضع يديها في مياه باردة، لأنه «لا أحد يعرف سلفا كيف سيتصرف ترامب حقيقة» إزاء ملف النزاع.
وتوقع مستشار الرئيس الأميركي أوباما للأمن القومي بن رودس أن تبقى المستوطنات مركزا لتوتر دولي شديد، حتى بعد بدء ولاية ترامب.
وقال متوجها الى الإسرائيليين: «لا تطمئنوا أنفسكم بأن قدوم ترامب سيتيح لكم حرية البناء الاستيطاني، سيكون هناك إجماع دولي يؤيد ما استعرضه كيري في خطابه، أي عزلة إسرائيل ورفض مواقفها تجاه الاستيطان».