سورة الأنبياء تعالج موضوع العقيدة القائمة على التوحيد من حيث الرسالة والوحدانية والبعث والجزاء، وتتحدث السورة عن الساعة وشدائدها، والقيامة وأهوالها، وعن قصص الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم، حيث بدأت بالحديث عن غفلة الناس عن الآخرة، وعن الحساب والجزاء، ثم انتقلت إلى الحديث عن المكذبين وهم يشهدون الغابرين ولا يعتبرون ولا يتعظون حتى إذا فاجأهم العذاب رفعوا اصواتهم بالتضرع والاستغاثة.
قال تعالى (أم أتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) تعجب من هؤلاء الذين يتخذون آلهة من دون الله من الأرض في غاية العجز وعدم القدرة (هم ينشرون) استفهام بمعنى النفي، أي لا يقدرون على نشرهم وحشرهم.
الحقيقة الكبرى
ويأتي الله بالتدليل النقلي (قل هاتوا برهانكم)، هذا القرآن فيه (ذكر من معي)، والمعية: الاتباع، فيه ذكر للمؤمن وبيان الحقيقة الكبرى بأن الله وحده لا شريك له (وذكر من قبلي) لم تأت شريعة تدعو إلى غير الله، فكل الانبياء جاءوا بلا إله إلا الله.
الملك المطلق
(وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) الملك المطلق لله لا شيء إلا هو منزه نفسه سبحانه، (عباد مكرمون) بين لنا الله حقيقة الملائكة، هذا الخلق الشريف، مكرم من الله بما حباهم، ومن القرب إليه، ومن التسبيح، وشرفهم الله بوظائف عليا، وأظهر كرامتهم، وقد مدحهم الله بأنهم مكرمون عنده، وهم في غاية الأدب، يعظمون الله ويجلونه، مكرمون عند الله وهم في غاية الأدب والامتثال لأوامره عز وجل.
حقيقة الملائكة
من خلقهم أنهم (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) لا يبادرون بالكلام، فلنتصف بصفة الملائكة والالتزام بحدود الأدب، فهم لا يتقدمون بين يديه تعالى من أمر، بل يبادرون إلى فعله، كل ما امر به الله فعلوه.
إحاطة الله بخلقه
ومن وصفهم أنهم لا يسبقونه بالقول، ولا يشفعون لأحد بدون إذنه ورضاه، فإذا أذن لهم وارتضى من يشفعون فيه شفعوا فيه، ولكن الله تعالى لا يرضى من القول والعمل إلا ما كان خالصا لوجهه متبعا لرسوله صلى الله عليه وسلم.
استنبط العلماء إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، (وهم من خشيته) من رهبتهم وخوفهم من الله، والإشفاق: توقع المكروه، فهم يخافون غضب الله فهم على حذر.
إثبات الشفاعة
(ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين) يخاطبنا الله تعالى أن هؤلاء العباد المكرمين لو تجاوزوا الحد، وهي جملة شرطية، والشرط ليس معناه الوقوع، ولا يلزم وقوعه و(من) حرف شرط، حتى هؤلاء ولو أن هذا الأمر لن يحدث، ولكن إن وقع فجزاء هؤلاء العباد المكرمين سيكون مثل جزاء الكافرين.
آيات كونية
بعد أن بين الله حججه، عرض الأدلة والبراهين الشاهدة على وحدانيته تعالى (أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) الرتق هو التجميع، ألم يروا بأعينهم الأرض الصلبة يفتقها الله فيخرج منها النبات والسماء يفتقها بالمطر؟ (وجعلنا في الأرض رواسي) الرواسي: الترسية والتثبيت وهي وظيفة من وظائف الجبال، وجعل فيها الله الطرق والسبل.
(وجعلنا السماء سقفا محفوظا) السماء للإنسان كالسقف، وقد حفظ الله هذه السماء. ومازال القرآن يأتينا بالدلائل الحقيقية على العلم المؤصل الدال على وجود الخالق. فهو كتاب هداية قائم على حقائق علمية ثابتة لا تتغير وقد يكتشفها الإنسان بعد فترة.
أبواب الإيمان
ومن أبواب الإيمان التفكر في خلق السموات والأرض (وهو الذي خلق الليل والنهار) فضل عظيم أن ننظر إلى آيات الله، هذه الآيات التي يزداد بها الإنسان إيمانا.
كل نفس ذائقة الموت
(وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) استدل من هذه الآية على أن الخضر قد مات، وأنه لا أحد خالد في هذه الدنيا، وكل من كان قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات (كل نفس ذائقة الموت) لابد أن تستعد لهذا اليوم، ولابد من توجيه النية في أعمالنا ان تكون لله عز وجل، فإذا حضرت المنية يكون لنا النجاة والأجر.
نعمة الحياة
(ونبلوكم بالخير والشر فتنة) يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم نعمة الحياة، وحقيقة الموت نبلوكم: نختبركم، والفتنة تمحيص واختبار، وإلينا ترجعون.
فلا تظن أن ما أصابك من شر فإنه شر، وما أصابك من خير فهو خير، فأحمد الله على كل شيء (وإلينا ترجعون) حقيقة الموت الرجوع إلى الله عز وجل.
سلوك أهل الباطل
بعد أن عرض الله تعالى الأدلة والبراهين الشاهدة على وحدانية الله يذكر لنا حال المشركين وهم يتلقون الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستهزاء والسخرية والتكذيب ويبين انحطاط الكافرين في تعاملهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ومقابلتهم له صلى الله عليه وسلم بالاستهزاء (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون).
(خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون) هذا كان حال هؤلاء الذين استهزأوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ومن شدة كفرهم إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزأوا به وقالوا: (أهذا الذي يذكر آلهتكم) هذا الذي يسب آلهتكم ويذمها، هؤلاء الكفار هذا حالهم.
يقول الله تعالى (فلا تستعجلون) أمر الله، سأوريكم آياتي و(يقولون متى هذا الوعد) الكافرون يستعجلون العذاب تكذيبا وعنادا، والمؤمنون يستعجلون عقوبة الله للكافرين.
الله تعالى يمهل ولا يهمل ويحلم ويجعل لهم أجلا مؤقتا (سأوريكم آياتي) أي انتقامي ممن كفر بي وعصاني (فلا تستعجلون) ذلك.
(قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون) ثم ذكر الله نعمته على عبيده في حفظه لهم بالليل والنهار وحراسته لهم بعينه التي لا تنام.
(معرضون) يعرفون الحق ويعرضون عنه، لا يعرفون نعمة الله عليهم (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون) استفهام انكار وتقرير وتوبيخ لهم، فليس الأمر كما توهموا، وكما زعموا، فهم لا يستطيعون نصر أنفسهم.
سبب اغترارهم
(بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون) يقول الله تعالى مخبرا عن المشركين إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنهم متعوا في الحياة الدنيا وطال عليهم العمر فيما هم فيه فاعتقدوا انهم على حق.
(ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ولنا إنا كنا ظالمين) أي ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله فانهم يعترفون بذنوبهم وأنهم كانوا ظالمي أنفسهم في الدنيا.
ميزان العدل
(ونضع الموازين القسط) أي ونضع الموازين (ليوم القيامة) ميزان واحد قوامه العدل.
(فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) حبة الخردل: يضرب الله بها المثل على الشيء الصغير، فإن كانت سيئة حسبها سيئة، وإن كانت حسنة يضاعف الله لمن يشاء.