عندما يزور الرئيس اللبناني مصر والأردن، فإن هاتين الزيارتين المترابطتين توقيتا ومضمونا وأبعادا تنطويان على مضمون استراتيجي له علاقة بهذا التحول الحاصل في المناخ الإقليمي في عهد ترامب، وما سينجم عنه من تداعيات على أرض المنطقة ومن تغييرات في الأجواء والمعادلات، ستكون هذه الدول الثلاث: مصر والأردن ولبنان جزءا منها ومعنية بنتائجه والأوضاع الجديدة المنبثقة عنه، فزيارة مصر مهمة جدا في برنامجها الحافل بالمحطات والرسائل والمعاني.
من اللقاء الثنائي مع الرئيس عبدالفتاح السيسي الى زيارة مشيخة الأزهر وبطريركية الأقباط، الى الخطاب الأول من نوعه لرئيس لبناني في مقر الجامعة العربية. وزيارة الأردن مهمة أيضا في توقيتها، قبل القمة العربية التي تستضيفها عمان الشهر المقبل، وبعد اللقاء الذي جمع في البيت الأبيض بين دونالد ترامب والملك عبدلله الثاني الذي كان أول زعيم عربي يلتقيه ترامب ويعطيه كلمة السر الأميركية.
هذا من دون أن ننسى أن الأردن ولبنان تجمعهما أوجه شبه ونقاط كثيرة: فهما البلدان اللذان تحمّلا تاريخيا وزر القضية الفلسطينية واستقبلا مئات الآلاف من الفلسطينيين وبما يفوق قدراتهما وحجمهما، وهما البلدان اللذان يتحملان من ست سنوات العبء الأكبر لأزمة النزوح السوري، وهما البلدان المهمان جدا لمصر لأنهما يشكلان البوابة الشرقية لأمنها القومي.
الزيارة الى مصر والأردن تتجاوز مسألة العلاقات الثنائية وكيفية تطويرها وتعزيزها، الى مسألة المعادلات والسياسات الجديدة في المنطقة وكيفية العمل والتنسيق لتلافي أخطارها، خصوصا أنه سيكون لمصر والأردن في عهد ترامب دور أساسي متقدم بعكس ما كان عليه الحال في عهد أوباما. مصر والأردن ترشحهما «أميركا ترامب» لأداء دور تنسيقي بين سياسات الدول الكبرى في المنطقة: بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وحتى بين روسيا والولايات المتحدة.
والدولتان العربيتان، مصر والأردن، تدوران في مدار مشترك ترتاح إليه واشنطن (وأيضا موسكو)، هو مدار «الإسلام المعتدل والوسطي» الذي يعول عليه لاحتواء الإرهاب والتطرف الديني وللتخفيف من وطأة وحدة الصراع السني ـ الشيعي، ومدار «عرب الاعتدال» الذي يقيم معاهدات سلام مع إسرائيل.
ومع حصول تغييرات في سياسة واشنطن وإدارتها تجاه المنطقة، ومع تسارع خطى الأزمة المتجددة بين إيران والولايات المتحدة، ومع تحول ساحات عربية عدة بينها لبنان وسورية الى ساحات لمواجهات باردة أو ساخنة بينهما، فإن الحاجة تصبح أكثر إلحاحا عند الرئيس اللبناني للبحث مع قيادتي مصر والأردن في كيفية ترتيب «البيت العربي» الداخلي في خضم عملية إعادة ترتيب أوراق المنطقة، وفي كيفية مواجهة انعكاسات التوترات الإقليمية والدولية ودرء أخطارها.
ولا مبالغة في القول إن الاستقرار اللبناني صار «على المحك» من جراء عودة السخونة بين طهران وواشنطن.