أ.د. وليد العلي *
القصة يقصها علينا أبوهريرة رضي الله عنه فيقول: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يُقال له: ثمامة بن أثال - سيد أهل اليمامة -، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك، إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان من الغد فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تُنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة، فانطلق الى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا اله الا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يا محمد والله، ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله، ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله، ما كان من بلد أبغض الي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت، فقال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم» أخرجه البخاري ومسلم.
إن المتأمل في هذه القصة الثانية ليدرك أثر الصفح والعفو، وما عاقبة العفو الحسنة على من غُرر به حتى وقع في الهفو.
لذا فالعاقل يدرك أن العفو عن المسيء مع القدرة عليه هو فضل وإحسان، واللبيب يعلم أن ترك اعتذار المسيء لمن قدر على عقوبته هو عجز وهوان.
* الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية