نداء عام
تبدأ سورة الحج بنداء (يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)، وافتتاح السورة بتقوى الله لأنها المنجية، وبعد ان امر الله تعالى الناس جميعا بتقواه بين لنا الباعث على هذه التقوى، وهو مشهد رهيب من مشاهد يوم القيامة (إن زلزلة الساعة شيء عظيم)، اضطراب الارض وشدة حركتها، وقد اختلف العلماء في توقيتها، فمنهم من قال انها في آخر عمر الدنيا واول أهوال الساعة، وقال آخرون بل ذلك هول وفزع، وهذا للتهويل، ويخبرنا الله تعالى بأن من هول ذلك اليوم ان المرضعة وهي اولى الناس عناية بوليدها، تشتغل لهول ما ترى عن احب الناس اليها (وتضع كل ذات حمل حملها)، اي قبل اتمامه لشدة الفزع، (وترى الناس سكارى) يترنحون من شدة الهول، (وما هم بسكارى) ولا منجى الا تقوى الله، يخبرنا الله تعالى بشدة عذابه، وانتم الآن باستطاعتكم ان تتجنبوا هذا الهول بذكر الله والرجاء بما عند الله والعمل للفوز به، ثم الخوف والخشية من الله بالعمل بأوامر الله والبعد عن نواهيه.
المقلدون
(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم)، فالذي يصدك عن تقوى الله الشيطان، فذكر الله تعالى المقلدين بغير علم يتبعون الشيطان، ولن يجني هذا المقلد الا الضلال، ويسخر الله تعالى من هؤلاء الاتباع فيقول سبحانه (ويهديه إلى عذاب السعير)، هؤلاء الذين يتبعون بلا علم، وما خلق الانسان الا لعبادة الله، فلابد ان تكون حياتنا وفق مراد الله عز وجل باتباع هديه وسنته، والنجاة اصل التعلم، اما من تولى الشيطان واتبعه فيقوده الى عذاب السعير، هؤلاء هم المقلدون واصحاب البدع.
دلائل البعث
(يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب.. الآية).
نداء تلو نداء، حيث يخبرنا الله تعالى عن البعث، قال ان كنت ايها الانسان تشك في البعث فانظر الى النشأة الاولى وهي التراب الذي خلق الله منه آدم عليه السلام (ثم من نطفة) اي ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (ثم من علقة)، النطفة من الماء تصبح علقة وهي الدماء المتجمدة الطرية، ثم يخبرنا الله عن طور آخر (مضغة) هذه قطعة اللحم الصغيرة تتكون من طورين مخلق وغير مخلق، منها ما يشاء الله ان تصبح هذه النطفة انسانا كاملا واذا شاء الله تسقط ولا تتخلق او تتشوه.
اعتبر أيها الإنسان
(لنبين لكم) انظر في خلقك ايها الانسان، استعظم الذي قدر على الايجاد، فهو قادر على البعث، وضرب الله مثلا آخر (وترى الارض هامدة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت)، يريد الله منا الاعتبار، ويخبرنا بأن الذي يخرج هذا الجنين من اطوار (إلى أجل مسمى) قال العلماء 9 اشهر و(نقر) لها من الاعاجيب، هذا الماء المهين عندما يستقر في الارحام يدل على ان وراءه صانع بديع (ثم نخرجكم طفلا) يخرج الانسان وهو في أشد صنعة فيسخر له امه (ثم لتبلغوا اشدكم) مرحلة الاكتمال والاستواء والتي عندها يكون المؤمن في غاية شكره من كمال القوة وكمال النعمة.
(ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر..) من يتوفى قبل ان يبلغ الرشد منهم بعد ذلك ومنهم من يمد الله في عمره ويرجع عاجزا كالطفل.
وبعد ان ضرب الله لنا احوال الانسان ضرب الحال بحال الارض حتى هذا التراب فيه دورة الحياة حتى تعلموا ان الله الذي له الارض له الخلق، لا يطاع احد الا الخالق، له الخلق وله الارض، فهو قادر على البعث كما انه سبحانه قادر على الاحياء.
يوم الحساب
عندما يخبرنا الله بأن هناك يوما للحساب فلابد ان نستحضر هذا اليوم (ذلك بأن الله هو الحق) اسم اشارة الى القدرة العجيبة دل ذلك على أن الله هو الحق، دخلت ذلك على الحق، فاستغرقته كله، وانه يحيي الموتى وانه لا يعجزه شيء، قادر على الخلق وقادر على تسخير الخلق، (وأن الساعة آتية لا ريب فيها)، كل آت قريب، (وأن الله يبعث من في القبور).
المفلسون
(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم..)، هؤلاء يدعون بجهالة من غير علم ولا هدى ولا كتاب، هؤلاء دعاة الضلالة والكفر والبدع، يجادلون بلا عقل ولمجرد الهوى، عقولهم مفلسة من جميع المراجع.
(ثاني عطفه) الكبر مستأصل فيهم حتى في حركاتهم، والعطف هو الجنب، وقيل المنكب وقيل هو ثني الرقبة، فهم يلوون اجنابهم واعناقهم معرضين عن الحق كبرا (له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) الجزاء من جنسه، فالمتكبر يذله الله في الدنيا قبل الآخرة، وهذا المتكبر عن الحق يقول الله تعالى (ذق) تهكما واستهزاء به، وذلك بما قدمت يداه.
إيمان أهل النفاق
يحدثنا الله تعالى عن صنف ثالث من الناس ويضرب لنا الامثال حتى نعيها ونعتبر (ومن الناس من يعبد الله على حرف)، الحرف: الحافة، فإن اصابه خير اطمأن لهذا الدين وقال انه حق ولم يعلم ان الله يبتلي بالخير، أما اهل النفاق فلا يعبدون الله الا اذا رأوا نعمة من الله، واذا لم يروا النعمة تجرأوا على النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون بسببك هذا، ومازال بيننا في مجتمعاتنا الاسلامية مثل هؤلاء، (خسر الدنيا والآخرة) حساب تجارة وليس حساب عقيدة، انقلب في فتنة الدنيا الزائلة الى فتنة الآخرة الابدية (يدعون من دون الله..) اي من الاصنام والانداد يستنصرون بها وهي لا تنفع ولا تضر (ذلك هو الضلال البعيد).
بشرى السعداء
لما ذكر الله حال اهل الضلالة، ذكر حال السعداء الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا بأعمالهم ولا يكون ذلك الا بأمرين الاخلاص والمتابعة لكتاب الله وسنته، هؤلاء تكون الجنة هي جائزتهم، مستترين فيها من كثرة اشجارها وخضرتها، بشرهم الله بالجنة وما فيها من نعيم، فإياك ايها المؤمن ان تهتز فإن نصرك قادم بإذن الله.