سورة الزخرف سورة مكية، بين الله تعالى فيها حقيقة التوحيد ودعا عباده الى النظر إلى الحق وملء القلب بالإيمان والتعلق بما عنده من عظيم العطاء والرحمة.
قانون رباني
(أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات..) الآية، يخبرنا الله تعالى أن قسمة النبوة من الله، كما جعل المكاسب والمعارف قسمة من عند الله تبارك وتعالى، فأعطى هذا الذرية، وذاك الصحة، وآخر المال، ورفع الله تعالى بعضهم فوق بعض درجات، فمنهم الغني والفقير، ومنهم القوي والضعيف، ليكون بعضهم سببا لبعض في المعاش، رحمة ربك يا محمد بإدخالهم الجنة خير مما يجمعون من حطام الدنيا الفاني، فالدنيا عند الله لا تساوي جناح بعوضة.
سلعة الله غالية
قد يفتن الانسان بالدنيا ويطلب زخرفها وبريقها الذي يزيغ الأبصار بفعل الشيطان فينحرف عن منهج التوحيد بسبب هذا الزخرف. ولولا أن يكون الناس جماعة واحدة على الكفر لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة وسلالم عليها يصعدون.
حال من يعرض عن الرحمن
يبين الله تعالى حال من يعرض عن ذكر الرحمن، وهو القرآن، فأهل البدعة لا يرون أنهم على خطأ، ويرون أن هذا هو الحق، ويختارون الضلال، فأنزل الله عليهم من يؤذيهم (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو لو قرين).
الإشكالية
(وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) أهل الباطل حزب كبير وصوتهم عال، يجتمعون على الضلال، وتحركهم الشياطين ليعرضوا عن ذكر الله، فهم يزينون لهم الضلالة ويكرهون إليهم الإيمان بالله والعمل بطاعته، ويظن هؤلاء المعرضون بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلال انهم على الحق والهدى. حتى إذا جاءنا الذي أعرض عن ذكر الرحمن وقرينه من الشياطين للحساب والجزاء، قال المعرض عن ذكر الله لقرينه: وددت أن بيني وبينك بعد المشرق والمغرب، فبئس القرين لي حيث اغويتني.
تسلية النبي صلى الله عليه وسلم
ثم يسلي الله تعالى نبيه عما يلاقي من المشركين فيقول تعالى (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين) أنت عليك الدعوة إلى الهدى، لا تفكر في مصيرهم، أفأنت ـ يا محمد ـ تسمع من أصمه الله عن سماع الحق أو تهدي إلى طريق الهدى من أعمى قلبه عن إبصاره أو تهدي من كان في ضلال عن الحق البين الواضح؟ ليس ذلك عليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
(فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) فإن توفيناك يا محمد قبل نصرك على المكذبين من قومك فإنا منهم منتقمون في الآخرة أو نرينك الذي وعدناهم من العذاب النازل بهم كيوم «بدر» فإنا عليهم مقتدرون نظهرك عليهم ونخزيهم بيدك وأيدي المؤمنين بك (فاستمسك بالذي أوحي إليك) بما أمرك الله به في هذا القرآن الذي أوحاه الله إليك، (إنك على صراط مستقيم)، وذلك هو دين الله الذي أمر به. وفي هذا تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم وثناء عليه.
(واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) من قبلك يا محمد جاءت رسلنا فاسألهم: أجاءت رسلهم بعبادة غير الله؟ فإنهم يخبرونك أن ذلك لم يقع، فجميع الرسل دعت إلى ما تدعو إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة ما سوى الله.
(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين) مازال الله تعالى يسلي نبيه ويخبرنا بما لاقاه موسى عليه السلام مع قومه، فلما جاءهم موسى بالبينات الواضحات الدالة على صدقه في دعوته إذا بفرعون وملئه يضحكون مما جاء به موسى، وكلما نرى فرعون وملأه من حجة إلا هي أعظم من التي قبلها وأدل على صحة ما يدعوهم موسى اليه أخذناهم بصنوف العذاب كالجراد والقمل والضفادع والطوفان وغير ذلك لعلهم يرجعون عن كفرهم.
(وقالوا يأيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون) قال فرعون وملؤه لموسى: يأيها العالم ادع لنا ربك بعهده الذي عهد اليك وما خصك به أن يكشف عنا العذاب، فإن كف العذاب عنا فإننا مهتدون بما جئت به، فلما دعا موسى برفع العذاب عنهم ورفعناه عنهم إذا هم يغدرون ويصرون على الضلالة.
العبرة من قصة عيسى عليه السلام
(ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون) عبودية عيسى ثابتة في القرآن لازمة نعلمها شبابنا المغتربين، لما ضرب المشركون عن ابن مريم مثلا حين جاءوا محمد صلى الله عليه وسلم وحاجوه بعبادة النصارى، وقال المشركون: رضينا بأن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فأنزل الله قوله (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)، وقال المشركون: آلهتنا التي نعبدها خير أم عيسى الذي يعبده قومه؟ فإذا كان عيسى في النار، فلنكن وآلهتنا معه، ما ضربوا لك هذا المثل الا جدلا، بل هم قوم مخاصمون بالباطل.