الوفاء خصلة جليلة تقضي على صاحبها اذا أعطى كلمة على نفسه أن تكون هذه الكلمة كالقيد الذي يقيد به ذاته لا يستطيع الفكاك منه إلا بحقه، فهي ميثاق له حرمته ومكانته ولذلك جاء في الهدي النبوي الشريف «المسلمون عند شروطهم» فهم لا يخالفون كلمة أعطوها ولا يخرجون على عهد أبرموه أو ميثاق ارتبطوا به وبهذا المقياس الجليل - وهو مقياس الوفاء - يستطيع الإنسان أن يميز بين الطيب والخبيث من الناس، فمن وفى بوعده والتزم شرطه وصان عهده كان رجلا فاضلا يستحق التقدير والتكريم ممن يتعاملون معه جزاء صدقه ووفائه وكان ذلك آية على صدق ايمانه وحسن تدينه، فالدين ليس عبادة فقط ولكن دين السلوك، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الدين المعاملة» وقال حجة الاسلام الإمام الغزالي: «إذا رأيت الرجل يثني عليه جيرانه في الحضر ومرافقوه في السفر ومعاملوه في الاسواق فلا تشك في دينه»، ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي تصوم النهار وتقوم الليل ولكنها تؤذي جيرانها، قال هي في النار، ومن نقض عهده وخان وغش كان مهينا جبانا يستحق التحقير والإذلال والمهانة من المجتمع الذي يعيش فيه فضلا عن العقاب الذي ينتظره عند الله (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون) والخاسر هو الذي ضيع على نفسه حظها من الفلاح والفوز والوفاء أنواع، فهناك الوفاء لله ورسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وهناك الوفاء للوالدين والأقربين بإعطاء كل ذي حق حقه من الشفقة والعواطف والرعاية ونحو ذلك، وهناك الوفاء للوطن بالذود عنه وصيانة حرمته والغيرة على حريته وكرامته، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب لنا أروع الامثال في الوفاء والولاء لوطنه، أحب مكة أعظم الحب لأنها كانت البيت الحرام ولأنها مدرج طفولته وملعب صباه ومشرق رسالته ومقام أحبابه، لكن المشركين اضطروه الى الهجرة منها، فجعل ينظر اليها وهو يفارقها ويقول: «الله انك لأحب البلاد الى الله وأحب البلاد الى نفسي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» على هذه المبادئ العليا من الوفاء قامت مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم وتربى عليها أتباعه.